هانى شنودة .. نقاد : قام بثورة موسيقية لتتماشى مع إيقاع العصر

هانى شنودة
هانى شنودة


محمد‭ ‬إسماعيل

برحيل الموسيقار الكبير هاني شنودة فقدت الساحة الفنية العربية واحد من أجرأ المجددين وأكثرهم تأثيرا في تاريخ الموسيقى الحديثة رحل الجسد وبقيت النغمات الشابة التي لا تهرم ليخيم الحزن على الوسط الفني والجمهور الذي ارتبطت ذاكرته بألحانه على مدار عقود.. لم يكن هاني شنودة مجرد ملحن مر في تاريخ الأغنية، بل كان صاحب انقلاب ناعم وثورة موسيقية شجاعة هدمت أسوار التقليدية وأعادت رسم شكل الأغنية والموسيقى التصويرية في مصر والوطن العربي منذ سبعينيات القرن الماضي.

في وقت كانت فيه الموسيقى العربية تميل إلى القوالب الطويلة والرتابة عقب رحيل عمالقة زمن الفن الجميل، تجرأ شنودة على إدخال الآلات الحديثة كالأورج والجيتار والسينثسايزر، ممتلكا رؤية سابقة لعصره صاغ من خلالها هارموني غربي متطور يندمج ببراعة مع روح الشرق وشجنه ولم يقتصر دوره على التلحين والتوزيع بل امتد ليكون صانع خريطة غنائية كاملة ومكتشف لأهم النجوم الذين تصدروا المشهد لعقود. ومع رحيل هذا الهرم الموسيقي طرحت “أخبار النجوم” تساؤلات علي النقاد الموسيقيين لتقييم مسيرته الحافلة وقراءة أثره الفني الخالد والوقوف على طبيعة الإضافة التي قدمها للوجدان العربي وأبرز محطاته واكتشافاته التي ستبقى حية في ذاكرة الأجيال.

في البداية يقول الناقد الموسيقي عبد الرحمن طاحون إن الحديث عن شنودة هو حديث عن مؤلف موسيقار يحمل مشروعا فكريا متكاملا، لم يرهب الخروج عن السائد، خاصة وأن ظهور “فرقة المصريين” في أواخر السبعينيات أحدث صدمة إيجابية في الساحة الغنائية، حيث قدم شنودة الأغنية القصيرة ذات الإيقاع السريع والتوزيع المبتكر دون أن يفقد النص عمقه أو هويته المصرية، وهذه الجرأة ألهمت كل الفرق والمبادرات الموسيقية المستقلة التي ظهرت في العقود التالية.

ويضيف طاحون أن عبقرية شنودة تجلت بشكل صارخ في عالم الموسيقى التصويرية للسينما، فقبل دخوله هذا المجال كانت الموسيقى في أغلب الأفلام إما مستوردة أو مجرد خلفية محايدة، لكنه استطاع في أعمال خالدة مثل “المشبوه”، “الغول” أن يخلق دراما صوتية قائمة بذاتها أصبحت بطل ثاني يترجم المشاعر الخفية والصراعات النفسية للشخصيات، مشيرا إلى أن استخدام الآلات الحديثة وتطويعها لخدمة المشهد السينمائي يعكس فهما عميقا لوظيفة الموسيقى في التأثير على وجدان المستمع.

ويؤكد طاحون أن ما لا ينتبه له الكثيرون هو كيف أعاد هاني شنودة هندسة الصوت الحضري للمدينة المصرية، فقبل شنودة كانت الموسيقى إما ريفية شجنها قديم، أو كلاسيكية نخبوية، ولكن شنودة هو أول من ترجم إيقاع الشارع والقاهرة الحديثة بمبانيها وزحامها إلى ميلودي سريع عبر الجيتار الفانك و الباص جيتار المندمج مع الرق والعود.. كما أنه نقل مفهوم الموزع الموسيقي من مجرد كاتب للآلات المصاحبة إلى صانع ألوان متكامل، ففي ألبوم “أوقات أشوف وشك سعيد” جعل التوزيع هو اللسان الذي ينطق بحالة الاغتراب النفسي للشباب في أواخر السبعينيات متقدما بذكائه الموسيقي على نظرائه في أوروبا بتطويع السينثسايزر ليصدر نغمات ربع التون الشرقية بشكل يستحيل تكراره.

من جانبه يقول الناقد الموسيقي أمجد جمال أن القيمة الكبرى للهرم الموسيقي هاني شنودة تكمن في قدرته الاستثنائية على التقاط المواهب غير التقليدية وصياغة نجوميتهم، مؤكدا أنه من الظلم اختصار تاريخه في التلحين والتوزيع فقط، فهو بني خريطة الغناء العربي الحديث.

ويضيف أمجد أن شنودة هو المكتشف والداعم الأول للكينج محمد منير، حيث آمن بصوته النوبي الفريد وقدمه للجمهور عبر ألبوم “بنتولد”، خالعا عنه الثوب التقليدي للمطرب وقادما به إلى آفاق تجريبية جديدة.. كما كان شنودة صاحب الشرارة الأولى في مسيرة الهضبة عمرو دياب عندما استمع إليه قادما من بورسعيد ونصحه بالانتقال إلى القاهرة، ولحن له أولى أغنياته في ألبوم “يا طريق” وأن القدرة على تقديم الأصوات المتميزة لم تتوقف عند هذا الحد، بل أخرج للساحة خامات صوتية استثنائية من خلال فرقة المصريين مثل إيمان يونس ومنى عزيز واللاتي قدمن أعمال حفرت في الذاكرة كـ “بحبك لا” و”ماشية السنيورة”، وسر خلود أعمال شنودة مثل “بحلم معاك” لنجاة الصغيرة يكمن في “البساطة الممتنعة”، حيث ينساب اللحن بسلاسة شديدة تتسلل للأذن، بينما يستند في الخلفية على هارموني وتوزيع علمي معقد يجعله صالحا لكل زمان ومكان.

ويشير أمجد أن عبقرية هاني شنودة ليست مجرد مصادفة أذن موسيقية تلتقط صوتا حسنا، بل كانت فلسفة إعادة صياغة للشخصية الغنائية بأكملها، فشنودة لم يكتشف فقط منير وعمرو دياب، بل أنقذ أصواتا كبيرة شأنا من ورطة التكرار، فهو من أعاد تقديم الفنانة نجاة الصغيرة بقالب عصري شاب كسر نمطها التقليدي، وهو أول من لمح طاقات المغني في حميد الشاعري عند قدومه لمصر ودعمه في بداياته لدمج الفلكلور الليبي بالتوزيع الحديث، فكان شنودة يمتلك حسا سيكولوجيا يتيح له تفكيك طبقات الصوت والتقاط النغمة التائهة داخل الموهوب ليصنع له مسارا لم يكن المطرب نفسه يتخيل أنه قادر على أدائه.

أما الناقد الموسيقي محمد شميس فيقول أن تجربة هاني شنودة تجاوزت حدود النوتة الموسيقية لتصبح ظاهرة ثقافية واجتماعية نجحت في تغيير ذائقة الاستماع لدى الجمهور العربي، مشيرا إلى أنه استطاع التعبير عن إيقاع العصر ومتطلبات الشباب في فترة تحولات اجتماعية مهمة، وشنودة أحدث نقلة نوعية في التعامل مع النص الشعري، حيث تعاون مع قمم الفكر والشعر أمثال صلاح جاهين وعمر بطيشة، وقدم كلماتهم البسيطة والعميقة بروح موسيقية متجددة، كما امتدت لمساته الفنية لخدمة موسيقى الإعلانات وتترات المسلسلات محولا إياها من مجرد مادة ترويجية أو تمهيدية إلى قطع فنية قائمة بذاتها.

ويشير شميس أن شنودة هو الرائد الأول لمفهوم الإنتاج الفني المستقل في الشرق الأوسط قبل ظهور هذا المصطلح بعقود بتأسيسه لفرقة المصريين، بالإضافة إلى ذلك قدم شنودة أثرا استثنائيا غير مسبوق في عالم أغاني الأطفال، حيث رفض التعامل مع عقل الطفل بسطحية، ولحن ألبومات وأغاني شهيرة برؤية تربوية وسيناريوهات موسيقية غنية بالآلات الغربية والشرقية، مما أنشأ جيلين كاملين على ذائقة راقية ليثبت أن التجديد لديه لم يكن مجرد رغبة في المخالفة بل مشروع تنوير وثوري شامل امتد لكل فئات المجتمع..

اقرأ  أيضا: هانى شنودة.. العراب الذي أعاد تشكيل ملامح الأغنية المصرية

;