كل عام، وقبل إعلان نتيجة الثانوية العامة بأيام، تتحول آلاف البيوت المصرية إلى حالة من الترقب والقلق؛ دعوات لا تتوقف، وقلوب تخفق، وأصابع ترتجف وهي تكتب رقم الجلوس، وكأن هذه اللحظة وحدها ستقرر مستقبل إنسان بالكامل.
ورغم أننا نعيش المشهد نفسه عامًا بعد عام، فإننا لم نتعلم الدرس، فما زلنا نتعامل مع الثانوية العامة باعتبارها نهاية الطريق، بينما هي في الحقيقة مجرد بداية.
الحياة أثبتت لنا مرارًا أن الطريق لا يسير دائمًا كما نخطط له ونحن في الثامنة عشرة من عمرنا؛ كم شاب دخل كلية كان يحلم بها، ثم اكتشف بعد سنوات أن شغفه الحقيقي في مكان آخر، وكم فتاة بكت لأنها لم تلتحق بالكلية التي أرادتها، ثم صنعت لنفسها مستقبلًا أكثر نجاحًا مما كانت تتخيل.
هذه لم تعد قصصًا استثنائية، بل واقعًا نراه حولنا كل يوم، بل إنني واحدة من هذه التجارب؛ فأنا خريجة تجارة إنجليزي، وبعد التخرج عملت بالفعل في مجال البنوك، وكان هذا هو المسار الطبيعي الذي رسمته لي شهادتي، لكن جاءت فرصة للعمل في مجلة كبيرة، فقررت أن أخوض التجربة لأن حب الكتابة والصحافة كان يسكنني منذ سنوات طويلة.
لم أكن أتوقع أن هذه الخطوة ستغير حياتي بالكامل، لكنني وجدت نفسي في المكان الذي يشبهني، واجتهدت حتى قُيدت في نقابة الصحفيين اعتمادًا على عملي وأرشيفي الصحفي، يومها فهمت أن الشهادة قد تفتح لك الباب الأول، لكنها لا تستطيع أن تحدد الطريق الذي ستكمل فيه، فهذا يصنعه الشغف، والاجتهاد، والإصرار على التعلم.
ولهذا أتساءل دائمًا: لماذا ما زلنا نربط مستقبل أبنائنا بكلية واحدة، بينما الحياة تثبت لنا كل يوم أن النجاح له عشرات الطرق؟ كم من طبيب أصبح إعلاميًا، وكم من مهندس أسس مشروعًا ناجحًا، وكم من خريج تجارة أو حقوق أو آداب أو علوم يعمل اليوم في مجالات التكنولوجيا، أو التسويق، أو تحليل البيانات، أو ريادة الأعمال، وحقق نجاحًا لم يكن يتخيله يوم ظهرت نتيجته.
والعالم نفسه لم يعد كما كان، نحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، وهو عصر يعيد تشكيل سوق العمل بسرعة غير مسبوقة، وظائف جديدة تظهر، وأخرى تتغير أو تختفي، وأصبح التعلم المستمر واكتساب المهارات والقدرة على التطور عوامل لا تقل أهمية عن اسم الكلية، بل قد تكون في كثير من الأحيان أكثر تأثيرًا في مستقبل الإنسان.
وهذا كله لا يقلل أبدًا من أهمية الثانوية العامة، فهي مرحلة مهمة تستحق الاجتهاد، وكل طالب تعب طوال العام يستحق أن يفرح بثمرة مجهوده، لكن ما يحتاج إلى مراجعة هو نظرتنا إليها، فلا يجوز أن نحمل أبناءنا شعورًا بأن رقمًا على ورقة سيحدد قيمتهم أو يرسم حياتهم كلها، لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بدرجات امتحان، وإنما بقدرة الإنسان على أن يتعلم، وأن يتطور، وأن يعيد اكتشاف نفسه كلما احتاج إلى ذلك.
واليوم، وكل بيت ينتظر النتيجة، وكل قلب يدعو لأبنائه، أكتب هذه الكلمات وأنا أيضًا واحدة من هذه البيوت، لأن بنت أختي تنتظر نتيجتها بعد عام كامل من الاجتهاد والتعب، وأدعو الله من كل قلبي أن يكلل تعبها بالنجاح الذي تستحقه، كما أدعو لكل طالب وطالبة أن يفرحوا بما بذلوه من جهد.
لكنني أتمنى أيضًا أن تصل رسالة إلى كل أب وأم قبل أن تصل إلى أبنائهم: اجعلوا الثانوية العامة محطة مهمة، لا معركة تحدد مصير الحياة، شجعوا أبناءكم على الاجتهاد، وساندوهم إذا تعثرت خطواتهم، وذكّروهم دائمًا أن المستقبل لا يصنعه مجموع وحده، وإنما يصنعه إنسان يعرف كيف يتعلم، وكيف ينهض إذا تعثر، وكيف يخلق لنفسه فرصة جديدة كلما تغيرت الحياة.
فقد تحدد الثانوية العامة أين سيبدأ أبناؤنا، لكنها لن تستطيع أبدًا أن تحدد إلى أين سيصلون.


مطلوب الرد سريعًا
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل
العرب والانتخابات الإسرائيلية






