د. خالد سعيد يكتب: ممداني ونتنياهو.. لاهاي وإسرائيل

د. خالد سعيد
د. خالد سعيد


رغم قوة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية ومتانتها واعتبار إسرائيل الولاية الحادية والخمسين، فإن هناك بعض الجهات الرسمية وغير الرسمية لا تزال تعتبر زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إلى بلادهم «زيارة غير مرغوب فيها» لكونه «مجرم حرب».

أجرى عمدة نيويورك زهران ممدانى مقابلة مع صحيفة أمريكية، وصف فيها نتنياهو بأنه «مجرم حرب»، معتبرًا أن «مكان نتنياهو هو فى لاهاى»، مقر المحكمة الجنائية الدولية فى هولندا، ولم يكتف بذلك، بل أعلن عزمه إصدار تعليمات لشرطة نيويورك بتوقيف رئيس الوزراء الإسرائيلى إذا زار المدينة، استنادًا إلى مذكرة تلك المحكمة.

ممدانى أكد خلال المقابلة المطوَّلة مع الصحيفة أن إدارته تجرى «مناقشات نشطة» مع المستشار القانونى للمدينة، قبيل زيارة مرتقبة لنتنياهو، لبحث مدى امتلاك نيويورك صلاحية توقيفه إذا زار المدينة، تنفيذًا لمذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، وهى المذكرة الدولية الخاصة باتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة.

الغريب أن ممدانى قد تعهد من قبل خلال حملته الانتخابية لرئاسة البلدية عام 2025 أنه سيقوم باعتقال نتنياهو، وهو فى حواره الأخير يشدد على إجراء مشاورات قانونية بشأن حدود صلاحيات إدارته وإمكان تنفيذ المذكرة، ويبدو من خلال تلك المقابلة عزمه الحقيقى على اعتقال نتنياهو، قائلا بوضوح فى هذا الصدد: «سنفعل كل ما يسمح لنا القانون بفعله فى مدينة نيويورك، لكننا لن نضع قوانين خاصة بنا من أجل ذلك».

الثابت أن المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت فى 21 نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف جالانت، لوجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسئوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت بحق الفلسطينيين فى قطاع غزة، وهى الاتهامات التى تتعلق بأفعال تم ارتكابها خلال الفترة من بداية عملية «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر 2023 حتى 20 مايو 2024 على الأقل، وذلك فى وقت ترفض إسرائيل اختصاص المحكمة الدولية والاتهامات الموجهة إليه.

والواقع أن وسائل الإعلام كافة قد أولت الاهتمام الجارف بتصريحات ممدانى وتصدرت عناوينها الرئيسية خلال الأيام القليلة الماضية، وخرجت تعليقات كثيرة ومختلفة دفاعًا عن بلادها وعن نتنياهو نفسه؛ ومن أوائل من تصدوا للدفاع عن رئيس الوزراء الإسرائيلى القنصل العام الإسرائيلى فى نيويورك أوفير أكونيس، الذى ادعى أن ممدانى لا يملك صلاحية إصدار أمر بتوقيف نتنياهو، ولم يكتفِ بذلك، بل هاجم عمدة نيويورك، قائلا: «بدلا من الخوض فى أمور لا يملك صلاحية التدخل فيها، من الأفضل له أن يتولى إدارة مدينة نيويورك».

وبعده بدقائق خرج علينا المندوب الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة دانى دانون، ليهاجم بدوره عمدة المدينة الأمريكية، متهمًا إياه بأنه «فشل فى إدارة نيويورك» زاعمًا أن زهران ممدانى «اختار التحريض»، قائلا: «بدلا من التركيز على دوره كرئيس بلدية والقتال ضد موجة معاداة السامية المتزايدة فى مدينته، فإن ممدانى يختار التحريض وصناعة العناوين من خلال الهجمات على دولة إسرائيل».

دانون رأى أن «الهجوم على نتنياهو لن يغير شيئًا»، بدعوى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى سيصل إلى نيويورك، سواء للقاء الرئيس ترامب، أو لإلقاء خطابه فى الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر المقبل، مدعيًا أن «نتنياهو سيلقى خطابه بفخر، وسيقف أمام العالم ليعلن بصوت واضح حقيقة إسرائيل وحقها غير القابل للتنازل فى الدفاع عن مواطنيها».

القناة 12 العبرية ذكرت أن نتنياهو سيلتقى ترامب خلال أيام دون إشارة البيت الأبيض إلى تحديد الموعد، إذ سارع بنفى تحديد تاريخ محدد للقاء الرئيس الأمريكى برئيس الوزراء الإسرائيلى، ويبدو أن الأخير يحاول فرض نفسه على أجندة الإدارة الأمريكية، خاصة فى الوقت الذى تقوم فيه واشنطن بضرب إيران مجددًا، ومن قبله رفض تل أبيب بيع واشنطن طائرات «إف 35» لتركيا، ومحاولة تدخله لعرقلة هذه الصفقة.

فكان طبيعيًا أن تشير القناة العبرية إلى أن نتنياهو لا يحظى بشعبية كبيرة فى واشنطن فى هذه الفترة، «لا فى أوساط الديمقراطيين ولا فى أوساط الإدارة نفسها»، وذلك كله رغم قوة ومتانة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وهى العلاقات التى هاجمها جى دى فانس نائب الرئيس الأمريكى، حينما قال «إن الحكومة الإسرائيلية تعمل ضد سياسة إدارة ترامب فى الموضوع الإيرانى وتحاول الدفع إلى استئناف الحرب وضد أى اتفاق مع إيران».