هانى شنودة.. العراب الذي أعاد تشكيل ملامح الأغنية المصرية

هانى شنودة
هانى شنودة


رحيل هادئ كما كانت موسيقاه.. ووداع لملايين المحبين جعل هاني شنودة عرابا لمسيرة استثنائية أعادت رسم ملامح الموسيقى المصرية الحديثة، وأسهمت في اكتشاف وصناعة أجيال من النجوم، إلى جانب تأسيس واحدة من أهم الفرق الغنائية في تاريخ الأغنية المصرية.

اللافت في قصة شنودة أن الشرارة الأولى لتحوله الفني لم تأتِ من عالم الموسيقى نفسه، بل من الأديب نجيب محفوظ، الذي لعب دورًا محوريًا في تشجيعه على تقديم موسيقى عربية بروح جديدة، بعدما كان شنودة، عقب تخرجه، قد كون فرقة قدمت مقطوعات وأغنيات غربية وجابت بها عددًا من الدول العربية كلبنان وسوريا، ومن رحم هذا التحول ولدت فرقة “المصريين” عام 1977، التي قدمت هزة فنية حقيقية بإدخال الهارموني والآلات الحديثة، وساهمت في رسم ملامح مرحلة جديدة من الأغنية القصيرة والمكثفة.

حققت الفرقة نجاحًا كبيرًا بألبومها الأول “بحبك لا”، وقدمت لونًا موسيقيًا جديدًا اعتمد على الغناء الجماعي والإيقاعات العصرية والتوزيع الحديث، مع أعمال خالدة مثل “ماشية السنيورة” و”بنات كتير” وغيرها من الأعمال التي كانت سببًا رئيسيًا في انتشار الفرقة وجماهيريتها الواسعة.

 ولم يتوقف الأثر عند نجاح الفرقة ذاتها، بل فتحت التجربة الباب أمام عشرات الفرق الغنائية التي جاءت بعدها، مثل “الفور إم” و”الأصدقاء” و”النهار” و”طيبة”، لتتحول تجربة شنودة إلى علامة فارقة ونقطة تحول حقيقية في تاريخ الأغنية المصرية الحديثة.

يرى النقاد أن أهمية هاني شنودة تتجاوز الألحان والتوزيعات إلى تأسيس مدرسة موسيقية متكاملة، فقد غير برؤيته المغايرة شكل الأغنية المصرية في مرحلة حساسة تلت رحيل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، وهي المرحلة التي احتاجت فيها الساحة الفنية إلى صوت جديد يعيد تعريف الأغنية بعيدًا عن القوالب التقليدية.. وقد امتدت مسيرته الفنية لأكثر من خمسة عقود، أسهم خلالها في صناعة ملامح الموسيقى المصرية الحديثة، واكتشاف أجيال من النجوم، وتقديم أعمال باتت من علامات الفن العربي.

لم يقتصر تجديد شنودة على الموسيقى الشبابية فقط، بل امتد إلى ألوان غنائية مختلفة، إذ لحّن الأغنية الشهيرة “زحمة يا دنيا زحمة” للمطرب الشعبي أحمد عدوية، والتي حققت نجاحًا مدويًا وصنعت حقبة جديدة في تاريخ الغناء الشعبي المصري، إلى جانب تعاونه المستمر مع نجمات الفن الاستعراضي والدرامي مثل لبلبة وصفاء أبو السعود.

إلى جانب الغناء، ترك شنودة بصمة لا تمحى في عالم الموسيقى التصويرية للسينما والدراما المصرية، إذ نجح في تحويل الموسيقى من مجرد خلفية مصاحبة للأحداث إلى عنصر درامي أصيل يعبّر عن مشاعر الشخصيات ذاتها، تاركًا بصمة خالدة في أرشيف السينما المصرية من خلال موسيقى أفلام مثل “لا عزاء للسيدات” عام 1979، و”المشبوه” عام 1981، و”الحريف” عام 1983.

وارتبط اسمه بشكل خاص بأفلام الفنان عادل إمام، إذ قدم بنفسه الموسيقى التصويرية لاثني عشر فيلمًا له، من بينها “شمس الزناتي” و”مسجل خطر” و”المولد” و”الحريف” و”الأفوكاتو”، معتبرًا نفسه محظوظًا بهذا التعاون الطويل، ومن أعماله السينمائية الأخرى أيضًا “غريب في بيتي” و”الغول”، وهي أعمال شكلت علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية.

في مايو 2023، حصل هاني شنودة على جائزة الدولة التقديرية في الفنون تقديرًا لدوره المجتمعي وإسهاماته الفنية ومحاولاته المستمرة في تطوير المنظومة الموسيقية، واستمر نشاطه حتى أواخر مسيرته، إذ طرح أحدث أعماله الغنائية بعنوان “بحلم معاك” برؤية جديدة جمعت بين مغني الراب زياد ظاظا والمطربة تينا، إحدى أحدث المواهب التي اكتشفها، وبرحيله، فقدت الساحة الفنية المصرية والعربية مبدعا صاحب تأثير عميق امتد لعقود، لكن ألحانه وموسيقاه التصويرية ستبقى شاهدة على عصر كامل من التجديد، وعلى فنان آمن أن الجمود هو العدو الأول للإبداع.

اقرأ  أيضا: وداعـا «حريف» الموسيقى هانى شنودة

;