بعد عقود على ثورة غيَّرت حياة شعب| كيف توحدت إرادة المصريين وجيشها دفاعاً عن الوطن؟

الخبراء فى الشئون الاستراتيجية: اســـــــــتعادة القـــــــرار الوطنــــــى وبنــــــاء جيــــــش قــــــوى حديــــــــث

 اللواء د. سمير فرج -  العميد د. طارق العكارى -   العميد د. عادل العمدة
اللواء د. سمير فرج - العميد د. طارق العكارى - العميد د. عادل العمدة


ثورة ٢٣ يوليو وامتدادها التاريخى ثورة الـ٣٠ من يونيو ليست مجرد أحداث سياسية، لكنهما مثلتا نقطة تحول تاريخية أعادت رسم ملامح المستقبل وأطلقت مرحلة جديدة من البناء والتنمية الشاملة. القوات المسلحة لعبت دورًا محوريًا فى الثورتين لحماية الدولة والحفاظ على تماسك مؤسساتها وانحازت لإرادة الشعب وحافظت على وحدة الدولة ومؤسساتها،

ولم يقتصر دورها على حماية الأمن القومى، لكن امتد إلى المشاركة فى تنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى، ودعم جهود التنمية، كما خاضت القوات المسلحة والشرطة معركة وطنية شاملة ضد التنظيمات الإرهابية، التى سعت إلى زعزعة الاستقرار واستهداف مؤسسات الدولة والمواطنين، وتمكنت من توجيه ضربات قاصمة للعناصر الإرهابية وتجفيف منابع الدعم والتمويل، بما أسهم فى استعادة الأمن والاستقرار داخل مختلف المناطق التى شهدت نشاطًا إرهابيًا،

وشهدت القوات المسلحة تحديثًا غير مسبوق لقدرات الجيش المصرى استهدف رفع كفاءتها وتعزيز جاهزيتها لمواجهة مختلف التحديات والتهديدات. واعتمدت الدولة استراتيجية متكاملة لتحديث منظومة التسليح وتنويع مصادر الحصول على السلاح، بما يضمن امتلاك قدرات متطورة تتناسب مع طبيعة التحديات الإقليمية والدولية المتغيرة، وشمل التطوير مختلف الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة،

حيث تم دعم القوات الجوية بطائرات حديثة متعددة المهام، وتطوير القوات البحرية عبر إضافة قطع بحرية متقدمة تعزز القدرة على حماية السواحل والمصالح الاقتصادية المصرية، فضلًا عن تحديث منظومات الدفاع الجوى ووسائل القيادة والسيطرة والاتصالات. وبالرغم من مرور 74 عامًا على ثورة 23 يوليو 1952، وما زالت الثورة تحتفظ بمكانتها فى التاريخ المصرى باعتبارها واحدة من أهم المحطات التى أعادت تشكيل الدولة المصرية الحديثة، بعدما نقلت البلاد إلى مرحلة جديدة من تاريخها، حملت معها شعارات الاستقلال والجلاء والعدالة الاجتماعية، ورسخت مفهوم القرار الوطنى المستقل.

 

لم تتوقف آثار ثورة يوليو عند حدود الداخل المصرى، إذ امتد تأثيرها إلى المحيط العربى والإفريقى، وأصبحت مصر فى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر طرفًا رئيسيًا فى دعم حركات التحرر الوطنى، والدفاع عن حق الشعوب فى الاستقلال وتقرير مصيرها.
وأكد اللواء الدكتور سمير فرج الخبير العسكرى والاستراتيجى ومدير إدارة الشئون المعنوية الأسبق، أن ثورة 23 يوليو 1952 تُعد من أعظم الثورات فى القرن العشرين، موضحًا أن «ثورة قام بها الجيش ودعمها الشعب، بعكس ثورة 30 يونيو التى قام بها الشعب ودعمها الجيش»، وأن ثورة 23 يوليو «غيّرت كل تاريخ مصر»، مشيرًا إلى أن من أبرز إنجازاتها تأميم قناة السويس وبناء السد العالى وتحقيق الجلاء، وإنهاء الاحتلال البريطانى الذى استمر فى مصر 72 عامًا.

ويضيف أن الثورة واجهت العدوان الثلاثى الذى شنته ثلاث دول، مؤكدًا أن تلاحم الجيش والشعب خلال تلك المرحلة صنع أحد أعظم الانتصارات فى التاريخ المصرى، كما أسهمت الثورة، بحسب رؤيته، فى منح البسطاء حقوقهم والقضاء على الإقطاع، ويستعيد الخبير العسكرى والاستراتيجى المشهد الذى سبق الثورة، قائلًا: «لا أريد أن أتحدث عن قبل قيام الثورة وماذا كان يحدث للشعب المصرى»، مؤكدًا أن ثورة يوليو كانت «ثورة عظيمة عظيمة عظيمة»، مشيرًا إلى أنها شهدت لأول مرة منذ عصور طويلة تولى أحد أبناء مصر الحكم، فى إشارة إلى الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.

وعلى المستوى الدولى، يرى اللواء سمير فرج أن تأثير ثورة يوليو تجاوز حدود الدولة المصرية، موضحًا أن الثورة كان لها دور بارز فى دعم حركات التحرر الوطنى بالعالم العربى وإفريقيا، ومساندة العديد من الحركات الثورية، التى كانت تناضل من أجل الاستقلال، وأشار إلى دور مصر فى حركة عدم الانحياز، وإلى دعم الثورة المصرية لحركات التحرر فى عدد من الدول العربية والإفريقية، لافتًا إلى الدور الذى قامت به مصر فى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية.

من جانبه، أكد العميد الدكتور طارق العكارى، الخبير المتخصص فى الشأن الاستراتيجى، أن ثورة 23 يوليو شكلت محطة مفصلية فى تاريخ الدولة المصرية، بعدما أسهمت فى تحقيق استقلال القدرات العسكرية وتوحيد الصف الوطنى لمواجهة التحديات الخارجية، وقال العكارى إن استعادة قناة السويس تُعد من أبرز إنجازات الثورة، مشيرًا إلى أن عائداتها ساهمت فى تمويل مشروع بناء السد العالى، الذى مثّل أحد أهم المشروعات القومية فى تاريخ مصر الحديث، وأضاف أن وعى الشعب المصرى ظل العامل الحاسم فى تحديد مسار البلاد عبر مختلف المراحل التاريخية، مؤكدًا أن المصريين يمتلكون القدرة على اتخاذ القرار فى مواجهة التحديات.

ويؤكد العميد الدكتور عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن ثورة 23 يوليو مثلت لحظة فارقة فى تاريخ مصر، مشيرًا إلى أنها جاءت فى ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة، اتسمت بوجود تمييز طبقى وغياب العدالة الاجتماعية، وعدم حصول قطاعات واسعة من الشعب المصرى على حقوقها.

ويقول العمدة إن ثورة 23 يوليو لم تكن مجرد حدث مصرى، وإنما مثلت ملحمة تاريخية استلهمت منها العديد من دول العالم فكرة حق الشعوب فى تقرير مصيرها، مؤكدًا أن التجربة المصرية كانت بمثابة الشرارة، التى ساعدت شعوبًا أخرى على التحرك نحو بناء جمهوريات جديدة.

وأوضح أن الأوضاع السياسية والاجتماعية، التى سبقت الثورة اتسمت بتدهور كبير، مع وجود تمييز طبقى وغياب العدالة الاجتماعية، فضلًا عن معاناة العمال والفلاحين وصعوبة حصول أبناء الطبقات الكادحة على فرص العمل والحقوق الأساسية.

وأضاف أن الثورة مثلت بداية لعبور جديد فى تاريخ مصر، مؤكدًا أن الإنجازات الكبرى التى تحققت على مدار التاريخ المصرى قامت بأيادٍ مصرية، وهو ما ظهر بوضوح فى العديد من المحطات التاريخية المهمة.

وأكد العميد عادل العمدة أن القوات المسلحة المصرية تضطلع بدور أساسى فى تلبية متطلبات الأمن القومى والحفاظ على استقرار الدولة، مشددًا على أن تحركاتها تتم فى إطار الدستور والقانون، وأن أى إجراء يجب أن يكون قائمًا على أساس قانونى ودستورى واضح. وأشار إلى أن ثورة 23 يوليو ارتبطت بمطالب واسعة لدى الشعب المصرى، فى ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، مؤكدًا أن وجود لحظة فارقة كان ضروريًا للانتقال من مرحلة إلى أخرى وتحقيق أهداف التغيير. وتطرق العمدة إلى أهمية الشعور الوطنى فى تحقيق الإنجازات، موضحًا أن الإحساس بالانتماء والقوة والعظمة والتاريخ يمثل أحد العوامل الأساسية، التى تدفع المصريين إلى تحقيق النجاحات فى مختلف المجالات، سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى أو الرياضى.