برنامج اقتصادى وطنى لمرحلة ما بعد صندوق النقد

المستشار محمد الحمصانى- د. مصطفى مدبولى- د. على الإدريسى-  محمود جمال سعيد
المستشار محمد الحمصانى- د. مصطفى مدبولى- د. على الإدريسى- محمود جمال سعيد


خبراء: يؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة ويعزز تنافسية الاقتصاد المصرى

الفترة المقبلة تتطلب الموازنة بين الإصلاح المالى وتحفيز الاستثمار والإنتاج

 أسماء ياسر
 

أكد د. مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء أن الحكومة بالتنسيق الكامل مع البنك المركزى  تعمل على إعداد البرنامج الاقتصادى الوطنى لمرحلة ما بعد برنامج الإصلاح الاقتصادى مع صندوق النقد الدولى،

مشيرًا إلى أن هناك مجموعة عمل تضم مسئولى مختلف الجهات المعنية للانتهاء من إعداد البرنامج وفق رؤية متكاملة تعكس أولويات الدولة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة،

موضحًا أن البرنامج عقب الانتهاء من صياغته سيُعرض على الرئيس عبدالفتاح السيسى، تمهيدًا لإعلانه رسميًا.

 

أوضح المستشار محمد الحمصانى المتحدث الرسمى باسم رئاسة مجلس الوزراء أنه تم استعرض الملامح الرئيسية للبرنامج الاقتصادى الوطنى الجارى إعداده، إلى جانب أولوياته ومستهدفاته، مشيرًا إلى أن البرنامج تتم صياغته فى إطار تنسيق كامل بين الحكومة والبنك المركزى، بما يضمن اتساق السياسات الاقتصادية والنقدية، وتحقيق مستهدفات الدولة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

وأضاف: أنه تم عرض محددات البرنامج الاقتصادى الوطنى، واستعراض الدروس المستفادة من تجارب عدد من الدول التى نفذت برامج إصلاح اقتصادى بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، والسياسات والاستراتيجيات التى تبنتها تلك الدول فى مرحلة ما بعد انتهاء هذه البرامج، بما يسهم فى صياغة برنامج وطنى يستند إلى أفضل الممارسات الدولية، ويراعى فى الوقت ذاته خصوصية الاقتصاد المصرى وأولويات التنمية الوطنية، مؤكدًا على ضرورة الاستفادة مما تم إنجازه فى البرنامج الوطنى للإصلاحات الهيكلية، وكذا السردية الوطنية للتنمية الشاملة، ورؤية مصر 2030.

ويؤكد د. على الإدريسى أستاذ الاقتصاد الدولى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع أن إعداد برنامج اقتصادى وطنى متكامل يُعد أحد أهم متطلبات المرحلة الحالية فى ظل التحديات الاقتصادية الإقليمية والدولية، لأنه يضع رؤية واضحة للإصلاح والتنمية ويحدد أولويات الدولة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة، فالبرنامج الاقتصادى لا يقتصر على معالجة المشكلات الراهنة وإنما يعد إطارًا استراتيجيًا يضمن تحقيق الاستقرار الاقتصادى وتعزيز معدلات النمو المُستدام، مع تحسين مستوى معيشة المواطنين ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتبرز أهمية البرنامج فى قدرته على توحيد جهود مختلف مؤسسات الدولة فى اتجاه واحد، بما يحقق التنسيق بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والتجارية، ويمنع تضارب القرارات الاقتصادية، كما يسهم فى تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، لأن وجود رؤية اقتصادية واضحة ومُعلنة يعكس استقرار بيئة الأعمال ويشجع على ضخ استثماراتٍ جديدة، وهو ما يدعم توفير فرص العمل وزيادة الإنتاج والصادرات.

وأضاف الإدريسى: أنه لكى يحقق البرنامج الاقتصادى الوطنى مستهدفات الاقتصاد المصرى ينبغى أن يتضمن مجموعة من المحاور الأساسية، فى مقدمتها: وضع مستهدفات رقمية واضحة لمعدلات النمو الاقتصادى والتضخم والبطالة والاستثمار والدين العام والصادرات، مع وجود جدول زمنى وآليات دقيقة للمتابعة والتقييم، كما يجب أن يركز على استمرار ضبط المالية العامة وزيادة كفاءة الإنفاق الحكومى وتوسيع القاعدة الضريبية دون فرض أعباء جديدة على النشاط الاقتصادى، ومن الضرورى أيضًا أن يتضمن البرنامج خطة متكاملة لدعم القطاع الخاص باعتباره المحرك الرئيسى للنمو الاقتصادى، من خلال تيسير إجراءات الاستثمار وتعزيز المنافسة وتوفير التمويل وزيادة مساهمته فى الناتج المحلى الإجمالى والتشغيل، كما ينبغى إعطاء أولوية للقطاعات الإنتاجية مثل: الصناعة والزراعة والسياحة والاتصالات والطاقة المتجددة، لزيادة القيمة المُضافة ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد المصرى.

وأشار الإدريسى إلى أنه على مستوى السياسة النقدية يجب أن يقوم البرنامج على تحقيق التنسيق الكامل مع البنك المركزى، بحيث تستهدف السياسة النقدية السيطرة على معدلات التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار مع توفير السيولة اللازمة لدعم النشاط الإنتاجى والاستثمارى، بما يحقق التوازن بين استقرار الاقتصاد الكلى وتحفيز النمو، كما يجب أن يتضمن البرنامج استراتيجية واضحة لزيادة الصادرات وتعميق التصنيع المحلى وتقليل الاعتماد على الواردات، إلى جانب جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز التحول الرقمى ودعم الابتكار، والاستثمار فى التعليم والتدريب ورفع كفاءة رأس المال البشرى، باعتبارها عوامل أساسية لزيادة الإنتاجية وتحقيق نمو اقتصادى مُستدام.

وأوضح محمود جمال سعيد الباحث الاقتصادى والمتخصص فى أسواق المال: أن إعداد برنامج اقتصادى وطنى لمرحلة ما بعد برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولى خطوة مهمة لترسيخ قدرة الدولة على إدارة أولوياتها الاقتصادية وفق رؤية مصرية متكاملة، تنطلق من طبيعة التحديات المحلية واحتياجات المجتمع ولا تقتصر على معالجة الاختلالات المالية والنقدية قصيرة الأجل، فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسات تثبيت الاستقرار واحتواء الأزمات إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وتنافسية وقدرة على تحقيق نمو مُستدام، تنعكس ثماره بصورة مباشرة على مستويات الدخل والتشغيل وجودة الخدمات المُقدمة للمواطنين، ومن هذا المنطلق ينبغى أن يتضمن البرنامج مستهدفات واضحة وقابلة للقياس لزيادة معدلات الاستثمار والإنتاج والتصدير، مع تحديد القطاعات ذات الأولوية التى تمتلك فيها مصر مزايا تنافسية حقيقية وفى مقدمتها: الصناعة والزراعة والاتصالات والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة. 

وأضاف سعيد: أنه يجب أن يرتبط منح الحوافز الاستثمارية بقدرة المشروعات على توفير فرص عمل مستقرة وتعميق المكون المحلى وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا، بما يضمن تحول الاستثمار من مجرد تدفقاتٍ مالية إلى طاقة إنتاجية مُستدامة تدعم الاقتصاد وتزيد موارده من النقد الأجنبى، ولا ينفصل تحفيز النمو عن ضرورة مواصلة الانضباط المالى وتحسين كفاءة إدارة موارد الدولة؛ إذ يتعين أن يستهدف البرنامج خفض الدين وأعباء خدمته تدريجيًا، من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج الأنشطة غير الرسمية، وليس عبر فرض أعباء إضافية على القطاعات الملتزمة أو المواطنين، ويتطلب ذلك كذلك إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام وتوجيه الاقتراض إلى المشروعات ذات العائد الاقتصادى والتنموى وتعزيز دور القطاع الخاص وضمان الحياد التنافسى وتكافؤ الفرص، إلى جانب استقرار التشريعات والإجراءات الضريبية والجمركية بما يمنح المستثمر رؤية أكثر وضوحاً للمستقبل.

وأكد سعيد أنه فى الوقت نفسه يجب أن يتحقق تكامل حقيقى بين السياسات المالية والنقدية، لأن نجاح البرنامج لن يتحقق إذا عملت كل سياسة بمعزل عن الأخرى، فخفض التضخم واستقرار الأسواق يتطلبان استمرار الانضباط النقدى بالتوازى مع سياسات مالية لا تولد ضغوطًا تضخمية جديدة، مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف ودعم موارد النقد الأجنبى المُستدامة من التصدير والاستثمار والسياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج،

كما ينبغى توجيه التمويل بصورة أكبر إلى الأنشطة الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يحافظ على التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو والتشغيل، لافتًا إلى أن البعد الاجتماعى يبقى ركنًا أساسيًا فى نجاح البرنامج، إذ يجب ألا تقتصر الحماية الاجتماعية على مواجهة الآثار المؤقتة للإصلاح بل تمتد إلى تمكين المواطنين اقتصاديًا من خلال التعليم والتدريب والتأمين الصحى وتحسين فرص العمل، كما أن إعلان مستهدفات البرنامج وجداوله الزمنية ومؤشرات قياس أدائه وإجراء مراجعات دورية لنتائجه سيعززان الثقة والمساءلة.

ويرى د. أشرف حجر المحاسب القانونى: أن التحول إلى برنامج اقتصادى وطنى لمرحلة ما بعد التعاون مع صندوق النقد الدولى يمثل انتقالًا من مرحلة الإصلاحات المرتبطة بالالتزامات الدولية إلى مرحلة ترسيخ الإصلاحات عبر إطار تشريعى ومؤسسى مُستدام. وقال: إن الأولوية يجب أن تكون لمراجعة المنظومة التشريعية الاقتصادية بما يضمن استقرار القوانين، وسهولة الإجراءات، وتعزيز حماية الاستثمار، لأن نجاح أى برنامج اقتصادى يرتبط بوجود بيئة قانونية مستقرة تمنح المستثمر الثقة فى استدامة السياسات وعدم تغيرها بصورة مفاجئة.

ويؤكد رامى فتح الله رئيس لجنة الضرائب بالجمعية المصرية اللبنانية لرجال الأعمال أن نجاح البرنامج الاقتصادى الوطنى سيُقاس بقدرته على تحويل الإصلاحات المالية إلى حوافز للنمو والإنتاج، وليس فقط الحفاظ على مؤشرات الانضباط المالى. 

وأضاف: أنه من المنظور الضريبى فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز اليقين الضريبى، وتبسيط الإجراءات، والتوسع فى الرقمنة، واستقرار السياسات الضريبية بما يشجع الاستثمار الرسمى، ويحفز التوسع الصناعى والتصديرى، ويعزز الشراكة بين الدولة ومجتمع الأعمال.