كنوز| السادات يسترجع «أسرار الثورة» ويحلل شخصية عبد الناصر

السادات يتناول الإفطار مع عبد الناصر فى «ميز» الضباط قبل الثورة
السادات يتناول الإفطار مع عبد الناصر فى «ميز» الضباط قبل الثورة


من المعروف أن 20 مليونًا من الشعب المصرى استيقظوا صبيحة 23 يوليو 1952 على البيان الأول الذى كُلف بصياغته الصاغ جمال حماد، وتلاه فى الإذاعة البكباشى أنور السادات الذى أصبح فيما بعد الرئيس الثالث للجمهورية بعد محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وبالتالى فهو يعرف الكثير عن ثورة 23 يوليو وما جرى بها، وما خاضته من معارك جانبية ورئيسية، وكشف الكثير من الأسرار فى مقال كتبه لمجلة «المصور» فى شهر أغسطس 1957، فتعالوا لنرى ماذا قال، ولماذا تنازل عبد الناصر للواء محمد نجيب لقيادة الثورة بدلًا منه برغم أنه قائدها الحقيقى ومؤسس تنظيم الضباط الأحرر الذين قام أعضاؤه بهذه الثورة وطرد الملك فاروق من مصر؟ 

يعود السادات شهر نوفمبر 1956 عندما كانت مصر تخوض أشرف وأعنف معركة من أجل الحرية والبقاء ضد إنجلترا وفرنسا وإسرائيل بعد تأميم قنال السويس، ويتذكر أنه أبُلغ عندما كانت القنابل تتساقط لكى يثور الشعب على عبد الناصر، أنه أنجب ولدًا اسماه «جمال» على اسم «جمال عبد الناصر» الذى وقف الشعب المصرى خلفه، واختار المقاومة لتحقيق النصر أو الموت، وصاغ السادات المقال فى قالب قصة يرويها لابنه المولود فى هذه الظروف الصعبة ليعرف أخطارها ويعرف من هو عمه «جمال عبد الناصر». 

 ويقول السادات: إن الحديث عن ثورة 23 يوليو، حديث شيق، على اعتبار أن ثورة 23 يوليو حدث تاريخى، له شخصيته المستقلة التى لن يستطيع أن يدركها إلا مَن عرف البيئة المصرية، ويأخذنا السادات فى المقال إلى تعريف بثلاث ثورات قامت الحرب العالمية الأولى، فقام كمال أتاتورك بثورته المشهورة ليجدد شباب تركيا، ويرسى خلال حكمه قواعد النهضة بها، وجاءت بعدها ثورة موسولينى الفاشستية فى إيطاليا التى كانت نهجًا من مدرسة أتاتورك، وقامت الثورة الثالثة فى ألمانيا بقيادة هتلر المُعجب بموسولينى وثورته وتتبع خطاه، إلى أن يصل بنا إلى ثورة 23 يوليو المصرية، التى يراها عملًا جديدًا منفصلًا عما سبقه من ثورات وقعت قبله، ومنها: الثورة البلشفية فى روسيا التى كانت مدرسة قائمة بذاتها فى وطن له ظروفه، لكن ثورة 23 يوليو تختلف عن كل ما سبقها من ثوراتٍ، لأنها استمدت مقوماتها من طينة شعب مصر وظروفه وعاداته وأخلاقه، واتخذت من المُثل العليا شعارًا تمسكت به وحافظت عليه، برغم ما سببه ذلك من تعويق لسير هذه الثورة واندفاعها فى وقت من الأوقات! 

 ويقول السادات: «لنأخذ مسألة قيادة هذه الثورة على سبيل المثال، فنحن لا نعلم أن قائد أى ثورة من تلك الثورات يتنازل عن مركزه كقائد بمحض إرادته، ليدفع برجل آخر إلى قيادتها، ويخدم تحت أمره جنديًا شريفًا مخلصًا، فتاريخ الثورات عكس ذلك، لأن قادة الثورات يخلون لأنفسهم الطريق بالقتل والاغتيال والإرهاب، والتاريخ يقرر أن من عيوب كمال أتاتورك أنه لم يبقِ على زميل أو صديق عاونه إلا وقتله»!

ويضيف السادات : «التاريخ يذكر أيضًا حمام الدم الذى خاضه هتلر بنفسه، وموسولينى لم يمتنع عن القتل إلا حين قُتل، أما ثورة 23 يوليو فأخذت نفسها بالمثل والقيم المصرية، فقد رأينا عبدالناصر الرئيس المُنتخب للهيئة التأسيسية للضباط الأحرار سنتين متتاليتين، يسعى قبل قيام الثورة إلى إقناع الهيئة بضرورة تنصيب قائد للثورة من خارجها لظروفٍ واعتبارات تتعلق بمصلحة الوطن، فى الوقت الذى يعلم فيه جمال أنه أجدر مَن يقوم بها، سواء من وجهة نظر الهيئة التأسيسية التى انتخبته رئيسًا، أو من وجهة نظر الجيش كله، فبادر جمال عقب انتخابه للمرة الثالثة رئيسًا بالإجماع - بعد قيام الثورة وطرد فاروق - بالتنازل إلى اللواء محمد نجيب عن هذه الرئاسة، وألحّ على الهيئة التأسيسية لتقبل هذا الوضع، ويحق لكل إنسان أن يسأل : لماذا تصرف جمال على هذا النحو؟ وكنت الوحيد الذى عارض هذه الخطوة، وأذكر أننى اجتمعت على انفراد بجمال عبد الناصر فى شقته بكوبرى القبة، وتناقشت معه وأبديت له تخوفى الشديد من استلام رجل غريب لقيادة الثورة التى لم تبدأ بعد، وكان محور خوفى أن الرجل بحكم سنه وعقليته وجيله الذى نشأ فيه، لن يستطيع أن يفهم العمل الثورى، ولا يُرجى منه بعد هذه السن أن يعيش بعقليته، مما يشكل خطرًا جسيمًا على الثورة، وأخذ جمال ينفث دخان سيجارته على عادته حين يكون مستغرقًا فى التفكير، وقطع الصمت قائلًا : «يجب أن تحسب حساب النفس البشرية»، ولم أفهم أول الأمر، لكن جمال استطرد قائلًا : «نحن جميعًا فى الهيئة التأسيسية زملاء وفى سن واحدة..

ورُتبنا تكاد تكون واحدة.. والذى جمعنا فى هذا العمل هو الصداقة.. ثم الأخوة والمحبة اللتان ولدتا الثقة.. وأخشى ما أخشاه أننا إذا جعلنا قيادة الثورة فينا أن يفتح هذا الأمر ثغرة فى نفس واحد منا.. ونحن بشر.. والنفس البشرية مليئة بالانفعالات.. وأنا لا أريد أن يكون مستقبل الوطن معلقًا على الانفعالات.. بل لا أريد أن أفرض احتمال واحد فى الألف شك من انفعال فى نفس واحد فينا.. لأن المسئولية مسئولية مستقبل شعب.. وبالثقة والمحبة نستطيع أن نحقق المستحيل».

ويستطرد السادات قائلًا فى المقال : «هكذا وضع جمال شعار المُثل العليا موضع التنفيذ من قبل أن تبدأ الثورة.. وكان يحسب حساب كل شيء مهما كان مُستبعدًا.. ولهذا انهزم وانهار أمامه السياسى البريطانى «أيدن» الذى قضى ثلاثين عامًا يصرف السياسة الدولية.. ويحكم فى مقادير البشر.. وكانوا يعتبرونه أستاذًا من أساتذة هذا الفن.. ولهذا عرف الساسة فى أمريكا والعالم كله أن ذهب العالم كله لا يشترى فى مصر المثل والمبادئ.. ولهذا أيضًا عادت العزة وعاد الشرف القومى لشعب عريق.. بل لمنطقة يسكنها قوم كان المستعمرون يسمونهم «عرب» كصفة تعنى الاحتقار والاشمئزاز.. وبين يوم وليلة أصبحت كلمة «عرب» ذات مغزى عميق مخيف.. مغزى يفخر به الأهل والأصدقاء.. ويرهبه القراصنة المستعمرون الأقوياء.. ولهذا أصبحت ثورة 23 يوليو قذى فى عين فرنسا وأفقدتها الوعى والرشد.. ولهذا فزع الإنجليز وخرجوا على مألوف عادتهم فى ادعاء الهيبة والوقار.. وأصبحوا يصرخون فى هذيان جنونى..

كشف عن خيبة نواياهم الاستعمارية.. والمعركة لم تنتهِ حتى اللحظة التى أكتب فيها هذه السطور.. وجمال لا يزال يحسب حساب كل شيء.. ويستلهم وحيه من روح شعب مصر البسيطة المسالمة.. بنفس الروح التى تحطم القيود وتنسف السدود إذا غضبت أو ثارت.. وقد انتصرت الثورة.. وانتصر جمال فى كل معركة خاضها باسم الشعب على أدعياء الدين من المشعوذين.. وقضى على الاتجار بالسياسة.. وانتصر فى مارس 1954، وانتصر فى أكتوبر 1954.. وانتصر فى معركة الأحلاف.. ومعركة العروبة.. وانتصر فى معركة تسليح مصر.. وانتصار سيادة مصر وأمنها ورخائها». 

ويختتم السادات المقال بقوله : «.. وأقول إن الحديث عن الثورة.. لا بد أن يعود بنا فى كل صغيرة وكبيرة إلى شخصية جمال عبدالناصر.. والحديث عن شخصية جمال سيعود بنا إلى فطرة شعب مصر ومقوماته وخصائصه فى القرية والحقل.. كما فى المصنع والمدينة.. وهذه المقومات وتلك الخصائص هى التى هزمت أعداء ثورتنا.. وكانت لديهم أحدث أسلحة الحرب والخراب والدمار». 

محمد أنور السادات «المصور» - أغسطس 1957