من المعروف أن سيدة الغناء العربى أم كلثوم أنعم عليها الملك فاروق بوسام الكمال المُخصص للأميرات وزوجات رؤساء الوزارة، وأصبحت بموجبه «صاحبة العصمة»، لأنها بدلت بعض كلمات أغنية «يا ليلة العيد» لترحب بجلالته عند حضوره المفاجئ لحفل النادى الأهلى، وفى أكتوبر 48 حاصرت القوات اليهودية أبطال اللواء الذى كان بقيادة الأميرلاى سيد محمود طه ويضم كبار ضباط الجيش المصرى ومن بينهم: جمال عبد الناصر،
وتلقت أم كلثوم رسالة عبر الإذاعة من هؤلاء الأبطال الذين رغبوا فى سماع أغنية معينة فى حفلها الجديد، فعدلت فى برنامج الحفل واستبدلت أغنية «غلبت أصالح فى روحى» بأغنية «أنا فى انتظارك» لترفع من روحهم المعنوية وتبشرهم بفرج العودة سالمين عن قريب، وتحقق المراد من رب العباد، ودعتهم أم كلثوم على فنجان شاى فى حديقة فيلتها بالزمالك عندما طلبوا لقاءها.
وقامت حركة الجيش المباركة فجر 23 يوليو 1952 التى تحولت لثورة شعبية، وفوجئت أم كلثوم بمنع أغانيها فى الإذاعة فأصابها اليأس لأنها كانت تعد مجموعة أغانٍ ترحب فيها بالثورة وتعلن إيمانها بها، ونقل الكاتب مصطفى أمين لجمال عبد الناصر الحالة النفسية السيئة التى جعلت أم كلثوم تفكر فى الاعتزال لأن الضابط الذى منع أغانيها اعتبرها من العهد البائد، وأعطاه عبد الناصر درسًا قاسيًا وعادت أغانيها تصدح من الإذاعة مرة أخرى، وذهب عبد الناصر على رأس وفد من الضباط إلى فيلتها لترضيتها إيمانًا منه بالتأثير الكبير للقوة الناعمة فى ثورة يوليو عندما تكون أم كلثوم على رأس هذه القوة.
وانطلقت كوكب الشرق لتهدى الثورة فى 1953 قصيدة «مصر التى فى خاطرى» لتكون بيانها الأول فى مشوارها مع العهد الجديد، وتتالت روائعها الوطنية فغنت عام 1954 من كلمات بيرم التونسى رائعة «يا جمال يا مثال الوطنية» التى تقول فيها: «يا جمال يا مثال الوطنية أجمل أعيادنا المصرية / بنجاتك يوم المنشية»، وشدت بعدها بقصيدة كامل الشناوى التى تقول فيها: «على باب مصر، تدق الأكف / ويعلو الضجيج»، وتوالت أغنياتها التى كانت تشدو بها فى كل عيد من أعياد الثورة، فغنت «بعد الصبر ما طال - وصوت بلدنا - والزعيم والثورة - وبطل السلام - وبالسلام والمجد - ويا دارنا يا منبت الأحرار - وأرض الجدود - ويا حبنا الكبير - وطوف وشوف»، وكتب لها صالح جودت أغنية «حبيب الشعب» عقب هزيمة يونيو التى تقول فيها: «قم واسمعها من أعماقى فأنا الشعب / ابق فأنت السد الواقى لمنى الشعب / ابق فأنت الأمل الباقى لغد الشعب».
وأثرت أم كلثوم بقوة صوتها وشهرتها فى وجدان الجماهير بمساندتها لثورة يوليو وتقديرها لقائدها عبد الناصر المُستهدف من أعداء الداخل والخارج لأنه جعل لمصر إرادة واستقلالية وأعاد بها الحقوق المسلوبة بتأميم قناة السويس لبناء السد العالى، فغنت رائعة «حولنا مجرى النيل»، وهى من قالت «ثوار ولآخر مدى ثوار / الثورة قايمة والكفاح دوار».
وفى ظل معمعة الاستعداد لإعادة بناء القوات المسلحة لمواصلة الحرب واستعادة الأرض واسترداد الكرامة، نزلت أم كلثوم لأرض الميدان لتجمع التبرعات لصالح المجهود الحربى، وشدت بأغنية «إنا فدائيون» التى يقول فيها الشاعر عبد الفتاح مصطفى: «كشف النقاب عن الوجوه الغادرة / وحقيقة الشيطان بانت سافرة / إنا فدائيون نفنى ولا نهون»، وغنت من كلمات صلاح جاهين: «راجعين بقوة السلاح راجعين نحرر الحمى / راجعين كما رجع الصباح من بعد ليلة مظلمة» واتبعتها بأغنية «حق بلادك» التى يقول فيها عبد الوهاب محمد: «قوم بإيمان وبروح وضمير/ دوس على كل الصعب وسير/ حق بلادك وحده عليك / عايز منك سعى كثير»، وغنت من كلمات نزار قبانى: «أصبح عندى الآن بندقية / إلى فلسطين خذونى معكم / إلى ربى حزينة / كوجه المجدلية / إلى القباب الخضر / والحجارة النبية».. ولم تهدأ القوة الناعمة الثائرة فى نفس أم كلثوم التى آمنت بثورة يوليو وقائدها، وظلت تغنى فى كل المحافظات، وانتقلت لتقديم حفلاتها بالدول العربية ومنها إلى باريس لجعل إيراداتها لصالح إعادة تسليح الجيش، وبلغ ما جمعته من إيرادات وتبرعات ما يقرب من 20 مليونًا من الجنيهات، وأصُيبت باكتئاب بعد وفاة ناصر وفكرت فى الاعتزال لكنها خشيت أن يفسر تُوقفها عن الغناء بأنها لا ترغب فى مساندة خليفته الرئيس السادات، فظلت تغنى وتلهب حماس الجماهير والجنود على الجبهة، وفرحت بالعبور العظيم فى 6 أكتوبر 1973، إلى أن داهمها المرض ورحلت عن دنيانا فى 3 فبراير 1975، لتظل «كوكب الشرق» أيقونة القوة الناعمة التى أحبت مصر فأحبتها ولن تنسى لها مصر ما قدمته لها.


كنوز| «نمر الثورة» فى ميزان اللواء محمد نجيب
كنوز| «فلسفة الثورة» فى ميزان «العقاد»
كنوز| «العميد» أول من أطلق على حركة الجيش مسمى «الثورة»






