خارج النص

د. أسامة السعيد يكتب: مصر بين يونيو ويوليو.. ذرية وطنية بعضها من بعض

د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد


رغم كل الضغوط، تمسكت مصر باستقلالية قرارها الوطنى، ورفضت أى تدخل فى شئونها، وأعادت صياغة علاقاتها الدولية على أساس الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فكان لها ما أرادت

فى أقل من شهر يحتفل المصريون بحدثين جليلين، وعلامتين فارقتين فى تاريخهما المعاصر: ثورة 30 يونيو 2013، وثورة 23 يوليو 1952، ورغم أننى لا أميل مطلقًا لانتزاع الأحداث التاريخية من سياقها الزمنى، أو اختزالها فى بضعة أحداث أو مواقف، لكن المؤكد أن أوجه الشبه بين الثورتين واضحة لكل متأمل ومتفكر فى مسيرة الثورتين.

تبرز الثورتان فى المسيرة الوطنية للشعب المصرى العريق، كشاهدين حيين على عبقرية الوعى الجمعى المصرى، ولتؤكدا بحق أن من تصدروا المشهد فى الثورتين، ونجحوا فى إعلاء كلمة الشعب - رغم فوارق الزمن والظرف التاريخى -  كانوا ذرية وطنية بعضها من بعض، وحلقتين ذهبيتين فى سلسلة واحدة عنوانها الأبرز: استقلالية القرار الوطنى وانتصار الإرادة الشعبية التى لا تقهر.

هذا التلاحم الزمنى والفكرى يكشف أن النبض الذى حرك المرتكزات الأساسية للدولة فى الفترتين نابع من نفس المشكاة الوطنية، ففى عام 1952، كانت مصر على موعد مع الخلاص من استعمار جاثم ونظام سياسى واقتصادى متآكل، فكانت المرتكزات واضحة: استرداد الكرامة، تمصير القرار، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إضافة إلى ضرورة امتلاك أدوات القوة لحماية الحق، كما صاغها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر فى فلسفته العميقة «إن الحق بغير القوة ضائع، والسلام بغير قوة تحميه استسلام»، ومن هنا، كان التحرك لبناء جيش وطنى قوى يحمى إرادة شعب قرر أن يستعيد وطنه ويمارس سيادته الكاملة على مقدراته.

■■■

ودارت عجلة الزمن بكل المتغيرات وما ألقته من ظلال إيجابية أو سلبية، لتولد من رحم يوليو الأولى ثورة ثانية فى يونيو 2013، لم يشعل شرارتها «ضباط أحرار»، ولكن كانت جموع المصريين هم «الأحرار» فى مواجهة جماعة فاشية تصورت أن الوصول إلى الحكم «شيك على بياض» لتغيير هوية وطن، واستلاب مصير أمة!!

ومجددا أثبتت الأيام أن الجينات الوطنية للمصريين لا تتغير بتغير العقود، ولا تتحول بمرور الأزمنة، وجاء انحياز القوات المسلحة لإرادة الشعب ليؤكد أن العقيدة لم تتبدل، وأن الانحياز للشعب إيمان راسخ لا تنال منه الأحداث مهما تعاظمت، ولا تضعفه التحديات مهما تزايدت.

وجد الشعب المصرى نفسه عام 2013 أمام تحدٍ لم يستهدف حدوده الجغرافية فحسب، بل استهدف قلب هويته الوطنية، وحاول اختطاف الدولة وتحويلها إلى مجرد فرع لتنظيم عابر للحدود. 

هنا انتفضت الروح الوطنية وتجسدت فى خروج الملايين إلى الميادين فى أعظم تجمع بشرى شهده التاريخ الحديث، معلنة رفضها القاطع لطمس الشخصية المصرية. وجاء الموقف التاريخى الحاسم للقوات المسلحة تجسيدًا للعهد والمصير المشترك، ليؤكد ما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسى لاحقًا بلغة واضحة: «إن إرادة الشعب المصرى هى التى تملى علينا اتجاهنا، ونحن لا نملك إلا أن نكون مخلصين لهذا الشعب، حامين لإرادته وأمنه القومى».

هذا التلاحم الفريد بين الشعب وجيشه هو القاسم المشترك الأكبر والمعادلة التى تتحطم عليها كل المؤامرات. فى 1952، تحرك الجيش ليعبر عن طموحات الشعب، وفى 2013، تحرك الشعب فاستجاب له الجيش وحماه. 

إنها الحقيقة التى تثبت للعالم أجمع أن الجيش المصرى كان دائمًا حارس الهوية ودرع الوطن الذى ينحاز بلا حسابات لنداء الواجب، ليؤكد مجددًا أن أصحاب المواقف العظيمة فى تاريخنا هم ذرية وطنية بعضها من بعض.

■■■

ولم تكن التحديات التى واجهت الثورتين هينة، بل كانت مواجهات شرسة مع قوى إقليمية ودولية عارضت هذا الصعود الوطنى فى أعقاب يوليو 1952، فواجهت مصر حصارًا سياسيًا واقتصاديًا بلغ ذروته بالعدوان الثلاثى عام 1956 عقب تأميم قناة السويس، لكن الإصرار المصرى فرض على العالم واقعًا جديدًا، وتحولت القاهرة إلى عاصمة للتحرر وحاضنة لحركة عدم الانحياز.

وبالمثل، واجهت مصر بعد 30 يونيو 2013 هجمات إقليمية ودولية شرسة، ومحاولات مستميتة لفرض عزلة عليها، بالتزامن مع حرب وجود حقيقية ضد إرهاب أسود أراد كسر إرادة المصريين عبر حرق الأخضر واليابس.

ورغم كل الضغوط، تمسكت مصر باستقلالية قرارها الوطنى، ورفضت أى تدخل فى شئونها، وأعادت صياغة علاقاتها الدولية على أساس الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، فكان لها ما أرادت.

كما أن تجسيد معانى الوطنية المصرية فى الثورتين يتجاوز حدود الفعل السياسى إلى مرحلة البناء والتشييد، فانتقلت راية العمل والتطوير من جيل إلى جيل، فإذا كانت ثورة 1952 قد رسخت مفهوم العدالة الاجتماعية وشيدت السد العالى وأطلقت حلم التصنيع والصناعة، فإن ثورة 2013 فتحت الآفاق لتدشين «الجمهورية الجديدة» من خلال مشروعات قومية عملاقة، وإصلاح اقتصادى شجاع، وبنية تحتية غير مسبوقة، بالتوازى مع بناء الإنسان وتوفير حياة كريمة لكل مواطن.

■■■

أخيرًا، يظل الدرس الأهم من يوليو 1952 ويونيو 2013 هو أن مصر لا تصنع مستقبلها إلا بأيدى أبنائها، وأن جينات الوطنية المصرية قادرة دائمًا على ابتكار الحلول وتجاوز المحن مهما عظمت. 

إننا أمام مسيرة ممتدة من الكبرياء والكرامة، مواقفها وأبطالها ذرية وطنية بعضها من بعض، تؤكد أن المصريين لا يكتفون أبدًا بقراءة التاريخ، بل يجيدون دائمًا كتابته.