،، بين عداد تذاكر الكشف الرمزية، التى لم تبرح عتبة «الجنيهات الخمس» فى باكورة الصباح، ووسط ضجيج صيحات الفوضى الرقمية التى تعج بها منصات التواصل الاجتماعى، يقف «المعهد القومى للتغذية» فى قلب القاهرة مرابطاً على جبهتين؛ جبهة إنسانية تعج بالأمهات الباحثات عن أمل يطيل قامة طفل أو يداوى ألم رضيع، وجبهة استقصائية وتشريعية تخوضها عقول المعهد الأكاديمية لوأد صيحات «الجهل الطبى الممنهج» وحماية الأمن الغذائى القومى لأكثر من 100 مليون مصرى.. وفى هذا الملف تفتح «الأخبار» ممرات هذا الصرح الطبى العتيق، ليس فقط لنقل نبض الشارع والمواطن من داخل ممرات عيادات السمنة وقصر القامة والتمثيل الغذائى، بل لتفكيك البنية التحتية والعلمية لغذائنا اليومى؛ فنبدأ من طاولات «المطبخ التعليمى» الذى يصنع وعى الأمهات لمواجهة النزلات المعوية بميزانيات ذكية، مروراً بإدارة عيادات بطريقة صارمة تصطدم يومياً بأسئلة «المرضى الحائرين» فى شباك عيادات سوء التغذية، ووصولاً إلى غرف التشريع وقرار الحرب على «السموم البيضاء» تحت قبة البرلمان بمشروع قانون «ضريبة السكر» والإلزام ببطاقة البيانات الكيميائية الموثقة.
تلك معركة علمية كبرى، رصدناها من الواقع الميدانى فى العيادات لنرصد آراء المرضى الذين طالبوا بأفرع أخرى لمعهد التغذية فى المحافظات، مرورا بمواجهات مباشرة مع القيادات التنفيذية والعلمية فى المعهد؛ بحديث مع د. مروة جمال مسعود، مديرة العيادات الخارجية، التى عرضت مسار المريض وبروتوكولات الفحص الدقيق منذ تاريخ الولادة، وصولاً إلى المواجهة المكثفة بالحقائق والأرقام مع د. علا شوقى مديرة المعهد، لتدق جرس الإنذار حول بلوغ الأنيميا لنسب حرجة بالمجتمع، وتكشف لأول مرة كواليس اللمسات الأخيرة لمشروع قانون «ضريبة السكر» المعروض على مجلس النواب، وإلزامية بطاقات الحقائق الغذائية المدققة بمعامل المعهد الفائقة، دفاعاً عن «الطبق الصحى المتزن» وإنقاذاً لشرايين وأنسجة جيل «الدليفرى» من تغلغل الزيوت النباتية المهدرجة والمسرطنات المقنعة،،.
خدمات متكاملة.. مقترحات تشريعية بـ«ضريبة السكر».. و«بطاقات الحقائق» لحماية المواطنين
وسط حركة دءوبة لا تهدأ منذ الساعات الأولى للصباح، شهد المعهد القومى للتغذية توافدًا كبيرًا من المواطنين على عياداته الخارجية المختلفة.. يعكس هذا المشهد حجم الإقبال المتزايد والثقة الكبيرة فى الخدمات الطبية والعلاجية المتميز التى يقدمها المعهد للمرضى والمترددين من مختلف المحافظات.
وبمجرد الدخول إلى مبنى العيادات، يبدو واضحًا الانضباط والنظام اللذان يحكمان الحركة داخل المكان، بدءًا من استقبال المرضى وتوجيههم، وصولاً إلى تنظيم دخولهم إلى العيادات والتخصصات المختلفة، وسط متابعة مستمرة ويقظة من العاملين والمسئولين لضمان انسيابية العمل.
تذاكر رمزية وعلاج بالمجان
تبدأ ملامح النظام من شباك التذاكر الذى يفتح أبوابه فى تمام السابعة صباحًا؛ حيث يتيح المعهد تذكرة الكشف بسعر رمزى يبلغ 5 جنيهات فقط حتى الساعة العاشرة صباحًا، وتشمل هذه التذكرة الحصول على العلاج اللازم بالمجان أما بعد الساعة العاشرة صباحًا، فتبلغ قيمة تذكرة الكشف 55 جنيهًا (كشف فقط دون العلاج المجانى)، وهو نظام يهدف إلى استيعاب الأعداد الكبيرة وتنظيم وتيرة التوافد المبكر للمواطنين.
وعلى الرغم من الكثافة العددية، إلا أن حالة من التنظيم الواضح سادت أرجاء المكان؛ إذ يتم تسجيل أسماء المرضى وتوجيههم إلى العيادات المختصة بسلاسة عبر النداء المنظم على الأسماء ولم يقتصر التميز على النواحى الإدارية، بل امتد ليشمل النظافة والتدابير الوقائية الصارمة؛ حيث ظهرت الممرات فى أبهى صورة لها، مع انتشار مستمر لعمال النظافة الذين يحملون زجاجات التعقيم والمطهرات لتطهير الأسطح والمقاعد دوريًا.
روايات من قلب العيادات
فى جولتنا بين ردهات المعهد، التقت «الأخبار» بعدد من المواطنين والمترددين الذين ساقهم الأمل فى الشفاء إلى هذا الصرح الطبى.
من بين هؤلاء، رانيا أشرف مختار «ربة منزل، من منطقة أوسيم بمحافظة الجيزة»، وأم لطفلين؛ أحدهما يبلغ من العمر عام ونصف، والآخر خمسة أعوام.. تقول رانيا: «جئت للكشف على ابنى الأصغر البالغ من العمر سنة ونصف، فهو يعانى من تأخر فى المشى وبسبب إصابته بـ «الأنيميا»، ونصحتنى الوحدة الصحية بالتوجه إلى المعهد.. أتردد على المعهد كل 6 أشهر لإجراء التحاليل ومتابعة النظام الغذائى الصارم والعلاج الذى وصفته الطبيبة، وبالفعل بدأت تظهر نتائج إيجابية ملحوظة على طفلى».
وأثنت رانيا على سعر التذكرة الرمزى (5 جنيهات) قائلة: «أحرص على الحضور فى الصباح الباكر للحصول على الخدمة العلاجية الكاملة، خاصة أن هذه الخدمات المتخصصة يصعب العثور عليها فى مكان آخر خارج المعهد، فضلاً عن المعاملة الراقية من الأطباء».
مواجهة قصر القامة
أما هناء حسن، التى جاءت من منطقة إمبابة، فكانت تبحث عن حل لمعاناة ابنتها التى تواجه مشكلة «قصر القامة»، وتقول هناء:«ترددتُ على المعهد أكثر من مرة، واكتشفت وجود قسم مخصص وممتاز لمتابعة حالات قصر القامة، وهو ما شجعنى على الاستمرار فى المتابعة الدورية، خاصة وأن التذكرة بخمسة جنيهات فقط شاملة العلاج، مما خفف عنى الأعباء المادية المرتفعة للعيادات الخاصة، واليوم أرى تحسنًا تدريجيًا يمنحنى الأمل فى تحقيق نتائج أفضل لابنتى».
مطبخ توعوى
لم تقتصر جهود المعهد القومى للتغذية على تقديم الدواء والفحوصات، بل امتدت لتشمل نشر الوعى الوقائى والعملى داخل الأسرة؛ حيث رصدت جولة «الأخبار» ملمحًا متميزًا يتمثل فى وجود «مطبخ تعليمى وتوعوى» مجهز خصيصًا للأمهات المترددات على المعهد.
ويهدف هذا المطبخ التدريبى إلى توجيه الأمهات وتدريبهن عمليًا على طرق الطهى الصحى، وكيفية إعداد وجبات غذائية متكاملة ومتوازنة للأطفال، لاسيما فى المراحل العمرية الأولى ويقوم المختصون داخل المطبخ بتقديم نصائح غالية حول كيفية إدخال الأطعمة الصلبة للأطفال بشكل تدريجى آمن وصحي، مع شرح المكونات الغذائية التى تناسب كل مرحلة نمو بدقة.
خط الدفاع الأول
كما يحرص القائمون على المطبخ التوعوى على تدريب الأمهات على السلوكيات الصحية السليمة، مثل الطرق العلمية لتنظيف وتعقيم الخضراوات والفواكه لحماية الأطفال من النزلات المعوية، وأساليب الطهى التى تحافظ على القيمة الغذائية الكاملة للطعام كـ «الطهى بالبخار»، وتقليل الزيوت والمواد الضارة ويمتد التدريب ليشمل طرق التخزين الآمن للأطعمة، وإرشادات ذكية لإعداد بدائل منزلية شهية وصحية تغنى الأطفال عن تناول الوجبات الجاهزة والمواد الحافظة، مما يمثل خط دفاع أول لحماية صحة الأسرة.
خسارة الوزن
شيماء سمير، إحدى المترددات على عيادات السمنة، أوضحت لـ «الأخبار» أنها عرفت بالمعهد عن طريق صفحته الرسمية على موقع «فيس بوك»، مشيرة إلى أن وزنها كان قد وصل إلى 130 كيلوجرامًا، ما سبب لها مشكلات صحية حادة وصعوبة بالغة فى الحركة.
وتضيف شيماء: «العيادات الخاصة أسعارها مرتفعة للغاية ولم أكن أتحمل تكلفتها، لكن تجربتى هنا كانت ناجحة ومبهرة؛ التزمت بالنظام الغذائى الذى وضعته الطبيبة المختصة، إلى جانب ممارسة رياضة المشى يوميًا بناءً على نصيحتها، وشعرت بفارق كبير فى نشاطى اليومى وبدأت أفقد وزنى بالفعل وسط رعاية طبية ممتازة وتكلفة لا تُذكر».
ما بعد العمليات الجراحية
وفى سياق متصل، التقت «الأخبار» على محمود (موظف)، والذى يتردد على عيادة «تغذية ما بعد العمليات» للاطمئنان على تحاليله وفحوصاته، ويقول علي: «خضعت لعملية جراحية وكان من الضرورى اتباع نمط غذائى دقيق جدًا لتجنب أى مضاعفات.
ويضيف: فى البداية واجهت صعوبة كبيرة فى حرمان نفسى من أطعمة معتادة، وكان الأمر يتطلب مجهودًا فى المنزل وأثناء العمل، لكن بمساعدة أسرتى وإرشادات أطباء المعهد المستمرة تمكنت من ضبط مواعيد الطعام والدواء، وأسعى للاستمرار حتى استقرار حالتى الصحية تمامًا».

فوضى «السوشيـال ميـديا» تهدد الأمن الصحى
«مينى باص» بدون نوافذ مزود بكاميرات للرقابة والانضباط
عمره «102 عام».. وعلّم كتاب الله للآلاف من أبناء مدينته والقرى المجاورة






