محمد فودة يكتب:
بعض الأشخاص لا يقاس حضورهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثر يمتد عبر الزمن، حتى يصبح الغياب مجرد حقيقة إنسانية لا تستطيع أن تمحو ما صنعته الأيدي أو ما رسخته العقول، والدكتورة سعاد كفافي كانت واحدة من هؤلاء الذين تجاوزوا حدود العمر، لأنهم اختاروا أن يكتبوا أسماءهم في سجل الباقين بأعمالهم، لا في صفحات الراحلين.
وفي الذكرى الثانية والعشرين لرحيلها، لا نستعيد مجرد سيرة شخصية صنعت نجاحا استثنائيا، وإنما نستحضر تجربة وطنية آمنت بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع يمكن أن يقدمه فرد لوطنه، لقد رحلت صاحبة الرؤية، لكن الرؤية نفسها ما زالت تنبض بالحياة، تكبر مع كل دفعة جديدة من الخريجين، وتتجسد في كل إنجاز تحققه جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتؤكد أن الأفكار العظيمة لا تعرف الغياب، وأن الرسائل الصادقة تعيش أطول من أصحابها.
لم تكن الدكتورة سعاد كفافي من أولئك الذين يبحثون عن نجاح شخصي أو مكانة اجتماعية، بل كانت صاحبة مشروع متكامل، وعندما نتأمل مسيرة الدكتورة سعاد كفافي، ندرك أننا لا نتحدث عن مؤسسة تعليمية أو جامعة خاصة، بل عن رؤية سبقت عصرها، وعن عقل امتلك القدرة على قراءة المستقبل في وقت كانت فيه كثير من الأفكار تبدو بعيدة المنال، ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الحديث عن التعليم الجامعي الخاص يحظى بالقبول الذي نعرفه اليوم، وكانت التجربة لا تزال محاطة بالكثير من التساؤلات والتحديات، لكن أصحاب الرؤى الكبيرة لا ينتظرون اكتمال الظروف، بل يصنعونها بأنفسهم، وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي، حين قررت أن تخوض واحدة من أكثر المغامرات جرأة في تاريخ التعليم المصري الحديث، فقد اختارت مدينة السادس من أكتوبر لتكون نقطة الانطلاق، في وقت كانت المدينة نفسها ما تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التوسع العمراني، وكأنها أرادت أن يكبر الحلم مع المكان، وأن تتشكل ملامح الصرح العلمي بالتوازي مع نمو المدينة التي احتضنته، ووضعت اللبنة الأولى بإطلاق المعهد العالي للسياحة والفنادق، مدركة أن مصر، بما تمتلكه من حضارة ومقومات سياحية، تحتاج إلى كوادر مؤهلة تمتلك المعرفة والخبرة، وتسهم في دعم أحد أهم قطاعات الاقتصاد الوطني، وبعدها واصلت المشروع بثقة أكبر، فأطلقت المعهد العالي للهندسة المعمارية وإدارة الأعمال، لتؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من إعداد الكفاءات القادرة على قيادة قطاعات البناء والإدارة والاقتصاد، وأن التعليم المتخصص هو حجر الأساس في بناء المجتمعات الحديثة.
كانت خطواتها مدروسة، لكنها لم تكن خالية من الجرأة، فقد كانت تدرك أن بناء مؤسسة تعليمية محترمة لا يتحقق بإنشاء المباني فقط، وإنما يبدأ ببناء الفكرة، وترسيخ القيم، ووضع معايير لا تسمح بالتراجع مهما كانت التحديات، وجاءت المحطة الأهم في عام 1996، عندما أعلنت تأسيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، لتصبح واحدة من أوائل الجامعات الخاصة في مصر.
ولم يكن الطريق الذي سلكته الدكتورة سعاد كفافي مفروشا بالورود، بل كان مليئا بالعقبات التي واجهت كل فكرة جديدة في ذلك الوقت، فالتعليم الجامعي الخاص كان تجربة لا تزال في بدايتها، وكانت النظرة إليه يحيط بها كثير من التحفظ، إلى جانب تحديات إدارية وتشريعية وتنظيمية احتاجت إلى قدر كبير من الصبر والحكمة والإصرار، غير أن شخصيتها القيادية صنعت المستحيل فقد امتلكت قدرة استثنائية على تحويل العقبات إلى فرص، وكانت تتعامل مع كل تحد باعتباره خطوة جديدة نحو التطوير، لا سببا للتراجع أو التوقف، ولعل أكثر ما ميزها أنها جمعت بين قوة القائد ودفء الأم، كانت حازمة عندما يتعلق الأمر بالجودة والانضباط.
وبعد اثنين وعشرين عاما على رحيلها، تبدو الدكتورة سعاد كفافي أكثر حضورا من أي وقت مضى، حضورها يتجسد في كل طالب يعبر بوابة الجامعة، وفي كل باحث يجد داخلها بيئة تشجعه على الإبداع، وفي كل طبيب أو مهندس أو صيدلي أو إعلامي أو متخصص تخرج في هذا الصرح، وانطلق ليؤدي دوره في خدمة وطنه، لقد أصبحت الجامعة أكبر شاهد على أن الأفكار الصادقة لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تبدأ رحلة جديدة، عنوانها الاستمرار والبناء والتطور.
ويواصل خالد الطوخي، رئيس مجلس أمناء جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، حمل الأمانة التي تركتها والدته، مستندا إلى القاعدة الصلبة التي أرستها، ومؤمنا بأن الحفاظ على نجاح أي مؤسسة لا يتحقق بالاكتفاء بما تحقق، وإنما بالسعي الدائم إلى التطوير ومواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها التعليم الجامعي في العالم، ومن هذا المنطلق، شهدت الجامعة خلال السنوات الأخيرة خطوات تطوير متلاحقة، شملت تحديث المعامل والقاعات الدراسية، والتوسع في استخدام أحدث التقنيات التعليمية، وتعزيز التعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية مرموقة داخل مصر وخارجها.
ولم يكن هذا التطوير انفصالا عن فلسفة الدكتورة سعاد كفافي، بل جاء امتدادا مباشرا لها، فالفكرة التي انطلقت قبل أكثر من ثلاثة عقود كانت تقوم على أن التعليم مشروع متجدد لا يعرف التوقف، وفي إطار هذه الرؤية، تواصل الجامعة تنفيذ خططها التوسعية، سواء داخل مقرها بمدينة السادس من أكتوبر، أو من خلال مشروع إنشاء فرعها الجديد في مدينة الأقصر، بما يعكس إيمانا راسخا بأن الرسالة التي بدأت قبل سنوات طويلة ما زالت تمتلك القدرة على الوصول إلى آفاق أوسع، وخدمة شرائح أكبر من الطلاب في مختلف أنحاء الجمهورية.
قد يرحل أصحاب الأحلام، لكن الأحلام الكبيرة لا ترحل معهم، لأنها تتحول مع مرور الوقت إلى واقع يعيشه الناس كل يوم. وهذا ما فعلته الدكتورة سعاد كفافي، التي لم تترك وراءها مباني أو منشآت فحسب، بل تركت مدرسة في الفكر والإدارة، ورسخت مفهوما مختلفا لدور الجامعة، باعتبارها مؤسسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة، رحم الله الدكتورة سعاد كفافي، وجعل كل طالب تعلم في مؤسساتها، وكل باحث نهل من علمها، وكل إنجاز تحقق على أرض هذا الصرح الأكاديمي، في ميزان حسناتها.


ڤاليو و"ويجو" يوقعان شراكة استراتيجية لتعزيز خدمات السفر عبر حلول دفع مرنة للمسافرين المصريين
في الذكرى الثانية والعشرين لرحيلها.. د. سعاد كفافي سيرة خالدة صنعت نهضة التعليم الجامعي الخاص في مصر
ما هي الدول الأفريقية التي تعتبر رائدة في تدريب لاعبي كرة القدم المحترفين؟





