داليا مهدى:بعض الغياب أشد حضورًا من أصحابه

داليا مهدى
داليا مهدى


ليس كل الفقد موتًا؛ فالموت محطة أخيرة، أما الرحيل فاختيار، وغياب الأب نوع مختلف من الفقد أكثر تعقيدًا وقسوة، إذ يتحول إلى قوة خفية تسكن الذاكرة والأحلام، وتظل تشكِّل الوعى والمصير حتى بعد مرور السنوات.
فى روايتها «جئتُ إليك من هناك»، الصادرة عن بيت الحكمة للثقافة، تقترب الروائية داليا مهدى من منطقة إنسانية شديدة الحساسية، من خلال سبع رسائل لم تُرسل، تفتح فيها داليدا، دفاتر الألم المؤجل، وتواجه أسئلة الفقد والخذلان والحنين، قبل أن تنطلق فى رحلة مشحونة بالأسئلة والأحلام والكوابيس نحو الأب الذى غاب سنوات، بحثًا عن إجابة لسؤال مؤلم: هل يشفى الإنسان حقًا من الغياب، أم أنه يتعلم فقط كيف يتعايش معه؟ وكان هذا الحوار.

■ فى «جئتُ إليك من هناك»، يبدو الغياب الأبوى بطلًا خفيًا يحرك الأحداث، كما أن «هناك» لا تبدو مكانًا جغرافيًا فحسب، بل مساحة ممتدة من الذاكرة والألم والفقد.. إلى أى مدى تقترب هذه القراءة من رؤيتك للرواية وأنتِ تكتبينها؟
تقترب كثيرًا، فصدمة غياب أحد الأبوين أثناء حياتهما وباختيار حر من جانبه، محور أحداث الرواية، إنه الغياب الذى يكثِّف الحضور ويجعل أثره ممتدًا حتى آخر العمر، فـ «داليدا» امرأة تقترب من الأربعين لكنها لا تزال تعانى من غياب أبيها عن أهم مشاهد حياتها وأكثرها تأثيرًا، أما «هناك» فهى إشارة إلى ذلك الصدع الكامن بداخلها، لنرى من خلاله بُعد المسافات الجغرافية ومشقة بل وخطورة الرحلة عبر مساحات زمنية ونفسية شديدة الاتساع والعمق.
■ فى الرواية تبدو الذاكرة والكوابيس وجهين لمعاناة واحدة تعيشها داليدا؛ فالماضى لا يغيب بل يعود باستمرار ليشكِّل رؤيتها.. كيف بنيتِ هذه الشخصية نفسيًا؟ وما الدور الذى تؤديه الكوابيس فى الكشف عن أعماقها؟
اعتمدت فى البناء النفسى للشخصية على تقنية الطبقات المتعددة، وكأنك طاهٍ يُعد قالبًا من الكيك بالفواكه عليك أن تتحلى بالصبر والدقة فى إضافة المكونات وضبط درجة الحرارة، ليخرج القالب النهائى متماسكًا، دون أن تحترق الفواكه، فالذكريات البعيدة والقريبة تأتى بالتناوب مع تأملاتها الداخلية، ثم تكتمل الصورة عندما يأتى الليل بتلك الكوابيس، فتكشف لنا ما لم تنطقه شفاهها وما لم يتذكره عقلها الواعي، ليصل القارئ إلى أصل الألم الكامن وراء تصرفاتها وانفعالاتها.
■ لماذا اخترتِ تقنية الرسائل السبع غير المرسلة؟ وما الذى أتاحته للرواية على المستويين الفنى والإنساني؟
أقوى الرسائل تأثيرًا تلك التى لم نرسلها أبدًا، فالمتلقى هنا هو ذواتنا، وكاتب الرسالة طبقًا لعلم النفس هو الأكثر قدرة على فهمها بكل أبعادها، أما فنيًا فقد أضافت الكثير إلى الرواية؛ فالرسائل وسيلة قديمة حديثة لا يملها القارئ، وكم من روايات عظيمة كُتبت فى صورة رسائل فقط، وكأنها جسر يقرِّب بين مكانين متباعدين، وعلى المستوى الإنسانى تضفى أجواءً حميمية فى أشد مراحل البُعد والقطيعة، كما تقترب لغتها من القصائد الشعرية، وكأنها محاولة نادرة للوصال.
■ اللغة فى الرواية مشبَّعة بالشجن والحنين والتأمل.. هل جاءت استجابة لطبيعة الموضوع، أم كانت خيارًا جماليًا واعيًا؟
أعتقد أنها جاءت خيارًا جماليًا واعيًا، فالبطلة تحمل روح أديبة وتنشر أعمالها فى جريدة «أخبار الأدب» من حين إلى آخر، وتمتلك نفسًا مرهفة ومفردات لغوية متميّزة، لذلك جاءت اللغة على المستوى نفسه من الحساسية، فالحوار الداخلى وذكرياتها البعيدة يفيضان بالاشتياق إلى ماضٍ جمعها بوالدها، بينما تحمل ذكرياتها القريبة، أسىً وحيرةً وقلقًا لا ينتهيان، أما لغة الرسائل فتفصح عن مشاعر متناقضة تجمع بين الشفقة والغضب.
■ بعد هذه الرحلة الطويلة مع الفقد والغياب والمصالحة.. هل تعتقدين أن الإنسان يُشفى من الغياب حقًا، أم أنه يتعلم فقط كيف يتعايش معه؟
سؤال صعب للغاية، أعتقد أنه مهما تعايشنا مع الغياب وتعلّمنا كيف ننجو فى أكثر لحظاتنا وحدة، فإن ذلك لا يشفينا أبدًا، حتى وإن ظننا ذلك، يبقى الفقد كفجوة تتسع يومًا بعد يوم، ولا ينجينا منها إلا المصالحة الحقيقية مع النفس أولًا، ثم مع الآخر.