انطلقت فعاليات الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب، مفسحةً مساحة واسعة للنقاش حول المدينة وتاريخها الثقافي، ومن بينها ندوة نظمها المركز القومى للترجمة بعنوان «الإسكندرية فى لغات العالم»، تناولت حضور المدينة فى الآداب العالمية، بوصفها جسرًا عبرت عليه الأفكار والثقافات عبر قرون.
ومن هذا المنطلق، بدا سؤال آخر أكثر قُربًا من الرواية المصرية: كيف رأى روائيو الإسكندرية، مدينتهم عبر الأجيال؟ وكيف تحولت صورتها من المدينة العالمية متعددة الثقافات، إلى مدينة تكشف الرواية اليوم عن أحيائها الشعبية وهوامشها وتحوّلاتها الاجتماعية؟
تتزاحم أمام هذا السؤال أسماء كثيرة صنعت تاريخ الرواية السكندرية، مثل إدوار الخراط، ومحمد جبريل، ومصطفى نصر، وإبراهيم عبد المجيد، وحجاج أدول، علاء خالد، وصولًا إلى جيلان الشمسي، وهبة خميس، وإيناس حليم، ومى المغربى وغيرهم، وبين هذه الأجيال تبدلت ملامح المدينة؛ فالإسكندرية التى كانت تُوصف طويلًا بأنها مدينة عالمية عاشت فيها جنسيات وثقافات متعددة، لم تعد هى نفسها التى يكتب عنها أبناء اليوم، بل مدينة تغيّرت كثيرًا وأصبحت الرواية تنظر إليها من زوايا مختلفة.
ويرى الروائى والشاعر علاء خالد، أن هذه الصورة الجديدة لا تنفى الماضي، لكنها تُعيد ترتيب مركز الاهتمام داخل المدينة، فيقول: فى روايتى الأولى «ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر»، لم تكن المدينة لها أى مركزية ملحوظة، بل ظهرت فى خلفية حكاية عائلة من الطبقة المتوسطة وأجيالها الخمسة، فى زمن التحوّلات بين القديم والحديث خلال السبعينيات والثمانينيات، وهى تحوّلات انعكست على العائلة والحى الذى تسكنه، أصبح التركيز على الحكاية الإنسانية والتحوّلات الاجتماعية، ومنح ذلك الرواية مركزية جديدة تختلف عن مركزية التعدّد العرقى التى اشتهرت بها المدينة».
ويضيف: أعتقد أن كتابى «وجوه سكندرية»، وهو كتاب غير تخييلي، ورواية «متاهة الإسكندرية» يحملان الطموح نفسه، وهو التركيز على الحياة اليومية للمدينة، وعقد مقارنات بين الماضى والحاضر، وإعادة طرح التاريخ من خلال الوجوه والأفكار والسيرة الذاتية، ومحاولة رصد الجانب النفسى والوجودى للمدينة، الذى يسبق أى تأريخ روائي.
ورغم ارتباط الإسكندرية فى أذهان كثيرين بصورة المدينة العالمية، فإن علاء خالد يرى أن الروائيين السابقين لم يكونوا أسرى رؤية رومانسية بقدر ما كانوا ينطلقون من مركزيات مختلفة، ويقول: أعتقد أن الروائيين السابقين لم تكن لديهم رؤية رومانسية، لكنها كانت رؤية أحادية تعتمد على مركزية طبقية معينة، ففى رباعية لورنس داريل كانت المركزية للطبقة الأجنبية والعليا، بينما انتقلت فى أعمال إدوار الخراط، مثل ترابها زعفران، ومصطفى نصر فى جبل ناعسة والجهينى والهماميل وليالى غربال إلى الهامش، حتى أصبح هذا الهامش نفسه حكاية كبيرة توازى حكاية التعدّد العرقي.
ويؤكد فى الوقت نفسه، أن رباعية داريل، خاصة رواية «جوستين»، تظل من الأعمال الروائية المركّبة التى يصعب اختزالها فى إطار الأدب الاستشراقي، وفق رؤية إدوارد سعيد.
لكن الأجيال الجديدة تنطلق من مدينة مختلفة تمامًا، فهى لم تعرف الإسكندرية الكوزموبوليتانية التى عاشها السابقون، بل عاشت مدينة تتغير كل يوم، لذلك اتجهت بعض الروايات إلى الغرائبية والأسطورة، مثل «سيدة وقعت فى حفرة» لإيناس حليم، أو إلى الديستوبيا، كما فى «الطائفة» لجيلان الشمسي، بينما اختارت أعمال أخرى تشريح مناطق بعينها داخل المدينة، كما فعلت الروائية مى المغربى فى روايتها الأولى «غيط العنب». وتقول مى المغربي: فى روايتى لا أهتم بسكندرية الفرد، وأبتعد عن النظرة الرومانسية للمدينة، فقد مللت تلك الأدبيات التى تبتعد عن الواقع فى تقديمها للعشوائيات والمناطق الشعبية، لا يشغلنى الترام ولا الأجانب ولا التنوّع ولا أجدها عناصر تعجبني، بل أراها صنيعة الاستعمار كما أننى لا أكتب عما ينتظره الآخرون من الكاتبات تحديدًا. وتضيف: أنا ضد هذا الخطاب السكندرى المنمّط، وأسير عكس اتجاهه تشغلنى أسئلة الهجرة، حتى داخل المدينة نفسها، لمجرد أنك قادمة من مكان آخر مثل الصعيد، تشغلنى الإسكندرية المنبوذة التى يخجل الناس من الاعتراف بوجودها، ويختزلون المدينة فى المنشية وبحرى ومحطة الرمل، أكتب عن الإسكندرية التى أعرفها بطبقاتها المتوسطة والفقيرة، وأشتبك مع الواقع الذى عشته، لا مع الصورة المعتادة التى ينتظرها القارئ. وهكذا، لم تعد الإسكندرية فى الرواية مدينة واحدة يمكن النظر إليها من زاوية واحدة، بل أصبحت مدنًا متعددة داخل مدينة واحدة، فلكل جيل إسكندريته التى عاشها وكتبها، ولكل كاتب طريقته فى اكتشافها من جديد؛ بين الحنين إلى المدينة العالمية، والانشغال بتحوّلات الواقع، والبحث فى الهوامش والأساطير، تواصل الإسكندرية إلهام روائييها، لكنها تكشف فى كل مرة وجهًا جديدًا.

«دياب» و«حسنى» و«عاشور» يفتتحون الموسم الصيفى «دفعة واحدة»
مى عمر: أقدم «الأكشن كوميدى» لأول مرة
صلاح الجهينى: «الأمير» تجربة عالمية بمواصفات سينمائية






