الإسماعيلية - فتحي البيومي
قبل أن تعانق مراكب الصيد أمواج البحار، تولد حكايتها بين أيدي صناعٍ عشقوا الخشب كما يعشق الصياد البحر، في ورشٍ بسيطة على ضفاف بحيرة التمساح، لا تُصنع القوارب بالمطارق والمسامير فقط، بل تُبنى بالصبر والخبرة التي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
هنا، في الإسماعيلية لم تكن صناعة مراكب الصيد مجرد حرفة لكسب الرزق، بل جزءًا أصيلا من هوية المدينة وتاريخها البحري الممتد منذ نشأتها مع حفر قناة السويس.
وبين رائحة الأخشاب وصوت المناشير، يقف صناع المراكب اليوم في مواجهة تحديات قاسية؛ من ارتفاع أسعار الخامات إلى تراجع أعداد الحرفيين، لتظل هذه المهنة العريقة تقاوم الزمن حفاظًا على تراثٍ صنعته سواعد المصريين، وما زال يروي قصة مدينة ارتبطت حياتها بالبحر والصيد والعمل الشريف.
◄ التحديات التى تواجه صناعة مراكب الصيد بالإسماعيلية
وعن التحديات التى تواجه صناعة مراكب الصيد، أكد محمود شطا، أحد صناع المراكب، إن صناعة المراكب الخشبية في محافظة الإسماعيلية، لم تعدد تواجه تحديًا واحدًا، بل أصبحت محاصرة بمجموعة من الصعوبات التي تهدد استمرارها، في مقدمتها الارتفاع المتواصل في أسعار الأخشاب المستوردة والخامات الأساسية مثل المسامير ومواد العزل والدهانات، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة تصنيع المركب بصورة كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية.
اقرأ ايضا| «بوابة أخبار اليوم» تخترق عالم «مراكب الصيد».. وأزمة «التراخيص» تصيب «الصناعة» بالكساد
وأضاف أن أصحاب الورش، يعانون من نقص العمالة الفنية المدربة، بعدما اتجه كثير من الشباب إلى أعمال أخرى توفر دخلا أسرع وأقل مشقة، الأمر الذي تسبب في تراجع أعداد الحرفيين القادرين على نقل خبراتهم المتوارثة إلى الأجيال الجديدة.

◄ تحديات صناعة المراكب
وأشار إلى المنافسة تفرض مع المراكب المصنوعة من الفيبر جلاس تحديًا إضافيًا، إذ يفضل بعض الصيادين هذا النوع لانخفاض تكاليف صيانته وسرعة تصنيعه، رغم أن كثيرا من أصحاب المهنة يؤكدون أن المركب الخشبي يتمتع بعمر افتراضي أطول وكفاءة عالية إذا تم بناؤه وفق الأصول الفنية.
وتابع: «لا تتوقف التحديات عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى تراجع حجم الطلب على المراكب الجديدة نتيجة انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف تشغيل مهنة الصيد، ما يدفع عددا من الصيادين إلى الاكتفاء بصيانة مراكبهم القديمة بدلا من شراء أخرى جديدة».

وأوضح أن طول مدة تصنيع المركب، التي قد تستغرق عدة أشهر بحسب حجمه وتجهيزاته، يجعل أصحاب الورش يتحملون أعباء مالية كبيرة قبل استلام مستحقاتهم.
◄ تدريب كوادر شابة وتقديم برامج تمويل
بينما يرى العاملون بالمهنة أن استمرار هذه الصناعة العريقة، يحتاج إلى دعم حقيقي، سواء من خلال توفير الخامات بأسعار مناسبة، أو تدريب كوادر شابة على الحرفة، أو تقديم برامج تمويل تساعد الورش على مواصلة الإنتاج، حتى لا تفقد الإسماعيلية واحدة من أبرز الصناعات التراثية المرتبطة بتاريخها البحري، والتي مثلت لعقود طويلة مصدر رزق لمئات الأسر وعلامة مميزة من هوية المحافظة.
◄ الأخشاب المستخدمة في صناعة المراكب
وعن أنواع الأخشاب التى تستخدم في صناعة مراكب الصيد في الإسماعيلية، كشف "شطا" عن تنوع الأخشاب المستخدمة في صناعة مراكب الصيد، وفقا لطبيعة كل جزء من المركب، موضحًا أن خشب التوت يُعد من أشهر الأنواع التي يعتمد عليها الصناع، لما يتميز به من قوة ومتانة وقدرته على تحمل الرطوبة والاستخدام لفترات طويلة.
اقرأ ايضا| صناعة مراكب الصيد بكفر الشيخ.. مهنة توارثها الأجيال وأصبحت مهددة بالاندثار

وأشار إلى أن خشب السنط يستخدم في بعض الأجزاء التي تتطلب صلابة عالية ومقاومة للعوامل الجوية، إلى جانب أنواع أخرى يتم اختيارها بعناية لضمان تحقيق التوازن بين المتانة وخفة الوزن، بما يحافظ على جودة المركب وكفاءته أثناء العمل في المياه.
◄ أوضاع الصيادين تؤثر على تصنيع المراكب
وعن وضع مهنة الصيد وأثره على تصنيع المراكب، كشف "شطا" عن أن التراجع الذي شهدته مهنة الصيد خلال السنوات الأخيرة، أحد أبرز الأسباب التي ألقت بظلالها على صناعة المراكب الخشبية في الإسماعيلية، فالعلاقة بين الحرفتين ظلت على مدار عقود علاقة تكامل لا يمكن فصلها، حيث كانت حركة بناء المراكب ترتبط مباشرة بانتعاش نشاط الصيد.
وأكد أنه مع انخفاض العائد الاقتصادي للصيادين وارتفاع تكاليف الرحلات البحرية من وقود ومستلزمات تشغيل وصيانة، تراجعت قدرة كثير منهم على شراء مراكب جديدة، وأصبح الاتجاه السائد هو الإبقاء على المراكب القديمة وإجراء أعمال إصلاح محدودة لها كلما دعت الحاجة، هذا التغير انعكس بصورة واضحة على ورش تصنيع المراكب، التي انخفضت وتيرة العمل بها بعد أن كانت تستقبل طلبات تصنيع جديدة بشكل مستمر، لتتحول في كثير من الأحيان إلى ورش تقتصر أعمالها على الصيانة والترميم.

ويرى أصحاب المهنة، أن استمرار هذا الوضع يهدد بفقدان واحدة من أقدم الصناعات الحرفية المرتبطة بالبيئة البحرية في الإسماعيلية، خاصة أن ضعف الطلب لا يؤثر فقط على أصحاب الورش، بل يمتد إلى عشرات المهن المرتبطة بها، مثل النجارين والدهانين والحدادين وموردي الأخشاب، وهو ما يجعل تعافي قطاع الصيد خطوة أساسية لإعادة الحياة إلى صناعة المراكب الخشبية واستعادة نشاطها من جديد.


زيارة الرئيس إلى تنزانيا| «السيسي» يُرسخ دور مصر التاريخي بالقارة السمراء
ملف خاص| دفاتر تحت الأنقاض.. كيف سرقت الحروب طفولة الملايين؟
زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا.. محطة جديدة لتعميق الشراكة المصرية الإفريقية





