سمر صلاح الدين
لم تكن الأيام الأولى لتولى السفير نبيل فهمى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية مجرد بداية إدارية اعتيادية، بل حملت منذ لحظاتها الأولى رسائل سياسية ودبلوماسية عميقة، كشفت عن طبيعة المرحلة الاستثنائية التى تدخلها الجامعة فى ظل إقليم يموج بالأزمات والتحولات المتسارعة.. فمنذ أن وطئت قدماه مقر الأمانة العامة بدا واضحًا أن الرجل لا يتسلم مؤسسة تقليدية، بقدر ما يتسلم إرثًا ثقيلًا من الملفات المعقدة والتحديات المتشابكة، التى تتطلب رؤية مختلفة لإعادة إحياء العمل العربى المشترك.
بدأت ولاية فهمى فى غياب لافت للحشود الإعلامية والتغطـيات المباشـــرة، إذ ســـار فى أروقة المبنى العريق وسط هدوء خيم على ممراته، وكأن المقر يعيش لحظة ترقب تختزل إرث عقود طويلة من العمل العربى، ووثقت اللقطات الرسمية لقاءه بالأمين العام المنتهية ولايته أحمد أبو الغيط، قبل أن يرفع علم جامعة الدول العربية إيذانًا ببدء مرحلة جديدة، لا تبدو معنية بالاحتفالات البروتوكولية بقدر ما تحمل مسئولية إدارة واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا فى تاريخ النظام العربى.
غير أن هذا الهدوء الإدارى لم يستمر طويلًا، إذ سارع فهمى إلى كسر حالة الجمود بإعلان أن أول تحرك خارجى له سيكون إلى مدينة رام الله، فى خطوة حملت دلالات سياسية عميقة تؤكد سعيه لإعادة تثبيت القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للعمل العربى المشترك، والانتقال بالجامعة من الدبلوماسية التقليدية إلى حضور ميدانى أكثر فاعلية.
لكن الرفض الإسرائيلى لهذه الزيارة شكّل اختبارًا مبكرًا وقاسيًا للأمين العام الجديد، واصطدامًا مباشرًا بتعقيدات الواقع السياسى فى المنطقة، فتحولت الزيارة التى لم تتم إلى رسالة سياسية بحد ذاتها، كشفت حدود الحركة العربية فى ظل موازين القوى الراهنة، وربما أراد فهمى من خلالها توجيه رسالة مفادها أن القضية الفلسطينية ستظل فى صدارة أولويات الجامعة، حتى وإن حالت الظروف دون تنفيذ المبادرات الدبلوماسية.
إرث دبلوماسي
يدخل نبيل فهمى هذا المعترك مستندًا إلى إرث دبلوماسى عائلى وشخصى عريق، فهـو أحد أبنــاء المدرســة الدبلـوماســـية المصــريــة، ونجــل وزير الخارجية الأسبق إسماعيل فهمــى، الذى ارتبط اسمه بالدفاع عن الثوابت العربية، غير أن المفارقة تكمن فى أن هذا الإرث يواجه اليوم واقعًا جيوسياسيًا مختلفًا جذريًا عما عرفته المنطقة فى العقود الماضية.
فبينما كانت التحديات سابقًا تتمثل فى إدارة الخلافات السياسية أو الأيديولوجية بين دول مستقرة نسبيًا يتولى فهمى مسئولياته فى لحظة تشهد فيها المنطقة انهيارًا فى كثير من ركائز الأمن القومى العربى، وتحول عدد من العواصم إلى ساحات لصراعات ممتدة، مع تراجع مركزية القرار العربى لصالح نفوذ قوى إقليمية ودولية باتت تمتلك تأثيرًا مباشرًا فى ملفات المنطقة.
وأمام هذه التحديات بدأ الأمين العام الجديد رسم ملامح تحركه عبر مسارين متوازيين. تمثل الأول فى عقد اجتماع موسع مع رؤساء المنظمات والهـيـئــات العـربـيــــة المتخصصــة فــى مجــــالات الاقتصــاد والصحــة والتعليــم، وهو اجتماع تجاوز الطابع البروتوكولى، ليعكـس توجـهًا نحــو تفعيل الأذرع الفنية للجامعة باعتبارها إحدى أدوات حماية المصالح التنموية للشعوب العربية.
منصات مرنة
ويكشف هذا التحرك عن رغبة واضحة فى تحويل هذه المؤسسات إلى منصات أكثر مرونة وقدرة على تقديم حلول عملية فى ملفات الأمن الغذائى والطاقة والتنمية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية التى كثيرًا ما عطلت العمل العربى المشترك، كما يعكس محاولة مبكرة لمعالجة أزمات البيروقراطية الإدارية التي عانت منها الجامعة على مدار سنوات، إلى جانب مواجهة أزمة التمويل المزمنة الناتجة عن تأخر سداد مساهمات بعض الدول الأعضاء، وهو ما انعكس سلبًا على كفاءة العديد من أجهزتها التنفيذية والإنسانية.
أما المسار الثانى فتمثل فى اللقاء المبكر مع وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطى، فى خطوة تؤكد أهمية التنسيق الوثيق مع دولة المقر، والاستفادة من ثقل الدبلوماسية المصرية وخبراتها وعلاقاتها الدولية، بما يوفر دعمًا سياسيًا للأمين العام فى مساعيه لتقريب وجهات النظر والحد من الاستقطاب العربى.
وتتقاطع هذه التحركات مع واقع إقليمى شديد التعقيد، تتصدره الحرب فى قطاع غزة، وأزمات السودان وليبيا واليمن ولبنان، فضلًا عن التدخلات الإقليمية والدولية المتزايدة في الشئون العربية، الأمر الذى يجعل مهمة الجامعة أكثر صعوبة من أى وقت مضى.
الدبلوماسية الوقائية
وفى هذا السياق تبدو فلسفة نبيل فهمى قائمة على مفهوم "الدبلوماسية الوقائية"، وتوظيف أدوات القوة الناعمة، من خلال تعزيز التعاون الاقتصادى والتكنولوجى، ومشروعات الربط الكهربائى، والعمل المشترك فى مجالات المناخ والتنمية، باعتبارها مسارات أكثر قدرة على بناء مصالح عربية مشتركة، وتخفيف حدة الخلافات السياسية، والحفاظ على الحد الأدنى من فاعلية القرار العربى.
ويبدو أن فهمى يدرك أن أدوات الخطابة التقليدية لم تعد كافية لإدارة واقع عربى تتشابك فيه الأزمات، وتتعدد فيه مراكز النفوذ والفاعلون من غير الدول، بما يفرض البحث عن آليات أكثر مرونة وواقعية فى إدارة الملفات الإقليمية.
وفى المحصلة لا يخوض نبيل فهمى اختبارًا يتعلق بكفاءته الدبلوماسية، فهى محل تقدير واسع، وإنما يواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا يتعلق بقدرة جامعة الدول العربية ذاتها على استعادة دورها فى ظل نظام إقليمى ودولى يعاد تشكيله بصورة متسارعة.
لقد بدأ الرجل ولايته بهدوء محسوب، لكنه حمل فى طياته رسائل سياسية واضحة، تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة اختبار حقيقى لقدرة الجامعة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المبادرات.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح نبيل فهمى فى إعادة ابتكار دور جامعة الدول العربية واستعادة فاعلية القرار العربى؟ أم أن حجم التحولات الجيوسياسية بات أكبر من قدرة المؤسسة العربية على مواكبتها؟
اقرأ أيضا: نبيل فهمى: تشكيل مجلس حكماء وخارطة طريق جديدة لـ «بيت العرب»

د. يوسف جبارين: لن نكون جزءًا من حكومة تحتل الأرض| حوار
مشروع لاستزراعها في البحر الأحمر| «المانجروف» كنز يفتح الطريق لأسواق الكربون
احتضن عائلة المسيح لأكثر من 6 أشهر| «دير المحرق».. هنا القُدس الثانية





