جدل في اليابان بعد تعديل قانون الخلافة.. النساء خارج سباق العرش رغم الدعم الشعبي

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


أثار البرلمان الياباني موجة جديدة من الجدل بعد إقراره تعديلات على قانون وراثة العرش الإمبراطوري، في خطوة تهدف إلى معالجة أزمة تقلص عدد أفراد الأسرة الإمبراطورية وضمان استمرار السلالة الحاكمة، إلا أنه أبقى في الوقت نفسه على أحد أكثر البنود إثارة للجدل، وهو حظر اعتلاء النساء العرش.

ويأتي القرار رغم استطلاعات رأي متتالية أظهرت تأييد غالبية اليابانيين لمنح النساء حق تولي العرش، الأمر الذي أعاد النقاش حول مستقبل المؤسسة الإمبراطورية الأقدم في العالم، ومدى قدرتها على التكيف مع التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها اليابان.

وتسعى الحكومة اليابانية من خلال التعديلات الجديدة إلى الحفاظ على استمرارية العائلة الإمبراطورية عبر توسيع دائرة الذكور المؤهلين للانضمام إليها، بدلاً من تغيير قواعد الخلافة التاريخية، وهو ما اعتبره معارضون تجاهلاً للرأي العام وإصرارا على الإبقاء على نظام يعتمد حصريا على السلالة الذكورية.

اقرأ أيضًا| اليابان تسرّع وتيرة إطلاق الصواريخ الفضائية لتعزيز أمنها القومي

 

البرلمان الياباني يقر تعديلات على قانون وراثة العرش

أقر البرلمان الياباني، الجمعة، تعديلات جديدة على قانون وراثة العرش الإمبراطوري، تضمنت إجراءات تهدف إلى معالجة أزمة تقلص عدد أفراد الأسرة الإمبراطورية، لكنها أبقت على القاعدة الأساسية التي تحصر اعتلاء العرش في الرجال فقط، وفقًا للوكالة الفرنسية "أ ف ب".

وبذلك، لم تستجب التعديلات للمطالبات المتزايدة بإتاحة الفرصة للنساء لتولي العرش، رغم أن استطلاعات الرأي خلال الأشهر الماضية أظهرت وجود تأييد شعبي واسع لهذا التوجه.

ويعتمد مستقبل العائلة الإمبراطورية اليابانية، التي تُنسب في المعتقدات الشنتوية إلى إلهة الشمس "أماتيراسو"، بصورة كبيرة على الأمير هيساهيتو، البالغ من العمر 19 عاما، وهو ابن ولي العهد الأمير أكيشينو، شقيق الإمبراطور ناروهيتو.

ويُعد هيساهيتو الوريث الذكر الوحيد من الجيل الجديد داخل الأسرة الإمبراطورية، وفي حال لم يُرزق مستقبلاً بابن، فإن قواعد الخلافة الحالية قد تؤدي إلى انقطاع السلالة الإمبراطورية، لعدم السماح بانتقال العرش عبر النساء.

 

تاريخ الإمبراطورات في اليابان

ورغم أن اليابان شهدت عبر تاريخها اعتلاء ثماني نساء العرش الإمبراطوري، فإن التشريعات الحديثة قيدت هذا الحق.

فقد نص قانون الأسرة الإمبراطورية الصادر عام 1889 على أن الرجال وحدهم يحق لهم اعتلاء العرش، وأن تنتقل الخلافة عبر السلالة الذكورية فقط، وهو المبدأ الذي جرى الإبقاء عليه أيضا في قانون الأسرة الإمبراطورية الصادر عام 1947 بعد الحرب العالمية الثانية.

وبموجب هذه القواعد، تُستبعد الأميرة أيكو، ابنة الإمبراطور ناروهيتو والبالغة من العمر 24 عامًا، وكذلك جميع النساء المنتميات للأسرة الإمبراطورية، من حق تولي العرش.

 

التعديلات الجديدة

وكشف مشروع القانون الجديد، الذي أقره مجلس الشيوخ باليابان، عن آلية جديدة تهدف إلى زيادة عدد أفراد الأسرة الإمبراطورية، دون المساس بقواعد وراثة العرش.

ويقضي القانون بالسماح بإعادة ضم الأقارب الذكور المنحدرين من الفروع الإمبراطورية السابقة، ممن تجاوزوا سن الخامسة عشرة ويكونون غير متزوجين، إلى الأسرة الإمبراطورية، بما يتيح لأبنائهم الذكور مستقبلاً حق وراثة العرش.

وينتمي هؤلاء إلى إحدى عشرة عائلة إمبراطورية كانت قد أُزيلت من السجل الإمبراطوري عقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، ضمن إصلاحات هدفت آنذاك إلى تقليص حجم الأسرة الإمبراطورية.

كما نصت التعديلات على إنهاء العمل بالقاعدة التي كانت تؤدي إلى فقدان الأميرات صفتهن الإمبراطورية بمجرد الزواج من شخص من عامة الشعب، إلا أن أبناءهن سيظلون غير مؤهلين لوراثة العرش، لأن القانون لا يزال يمنع انتقال حق الخلافة عبر النساء.

 

انقسام سياسي داخل الحزب الحاكم

وجاء إقرار التشريع بعد نقاشات وخلافات داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، بقيادة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي تُعد أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة اليابانية، لكنها تعارض في الوقت ذاته تعديل قواعد الخلافة بما يسمح للنساء باعتلاء العرش.

وفي المقابل، عبّر عدد من قيادات الحزب المحافظ عن تحفظاتهم على استمرار استبعاد الأميرة أيكو من حقها في اعتلاء العرش.

وقال سييتشيرو موراكامي، أحد القيادات البارزة بالحزب، عقب إقرار مشروع القانون في مجلس النواب خلال 10 يوليو، إن استبعاد أيكو من أن تصبح إمبراطورة يبعث على "استياء شديد".

وأبدى عدد من أفراد الفروع الإمبراطورية السابقة تحفظهم على العودة إلى الأسرة الإمبراطورية وفق النظام الجديد.

وقال أساهيرو كوني، البالغ من العمر 81 عاما والمنتمي إلى أحد الفروع الإمبراطورية الإحدى عشرة، إنه سينصح أحفاده برفض أي عرض لإعادتهم إلى الأسرة الإمبراطورية.

وأوضح، في تصريحات لصحيفة "أساهي شيمبون"، أن الشخص عندما يبلغ الخامسة عشرة يكون قد اعتاد حياة الحرية، في إشارة إلى القيود التي تفرضها الحياة داخل الأسرة الإمبراطورية.

 

استطلاعات الرأي تكشف فجوة بين البرلمان والرأي العام

وأظهرت استطلاعات الرأي اتساع الفجوة بين التوجهات السياسية والرأي العام الياباني بشأن مستقبل نظام الخلافة الإمبراطورية.

فقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة "ماينيتشي شيمبون" أن 23% فقط يؤيدون منح أبناء الفروع الإمبراطورية الذين سيعاد ضمهم للأسرة حق اعتلاء العرش، بينما عارض ذلك 34%.

وفي المقابل، أيد أكثر من 70% من المشاركين السماح للنساء باعتلاء العرش، فيما أيد نحو 40% انتقال العرش عبر السلالة النسائية.

كما كشف استطلاع آخر أجرته صحيفة "أساهي شيمبون" في مايو الماضي أن 72% من اليابانيين يؤيدون تعديل القانون بما يسمح للنساء بتولي العرش الإمبراطوري.

 

أسرة إمبراطورية محدودة العدد

وتضم الأسرة الإمبراطورية اليابانية حاليا 16 فردا فقط، بينهم خمسة رجال هم: الإمبراطور السابق أكيهيتو، وشقيقه، والإمبراطور ناروهيتو، وولي العهد الأمير أكيشينو، والأمير هيساهيتو، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن مستقبل نظام الخلافة إذا استمرت القواعد الحالية دون تعديل.

واعتبر هيديا كاوانيشي، أستاذ جامعة ناجويا والمتخصص في النظام الإمبراطوري الياباني، أن التعديلات الجديدة لا تعكس توجهات الرأي العام.

وأوضح أن التيار المحافظ داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي يرى أن الحفاظ على انتقال العرش عبر السلالة الذكورية يمثل أولوية مطلقة، ولذلك يرفض الاستجابة للمطالب الشعبية المطالبة بالسماح للنساء باعتلاء العرش.

وأضاف أن هذه التعديلات قد تؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي للمؤسسة الإمبراطورية باعتبارها رمزاً للدولة اليابانية.

 

مواطنون يطالبون بمراجعة قواعد الخلافة

وأثارت التعديلات ردود فعل متباينة بين المواطنين اليابانيين.

وقال الموظف يوشيكي ياجوتشي (66 عاما)، أثناء وجوده في منطقة يوراكوتشو بالعاصمة طوكيو، إنه كان من الأفضل فتح نقاش أوسع بشأن إمكانية اعتلاء النساء العرش، بما يتوافق مع طبيعة المجتمع الياباني الحديث.

كما رأت طالبة المرحلة الثانوية "يومي" (17 عاما)، والتي كانت برفقة صديقتها "ميسا"، أن الوقت قد حان للتخلي عن العقلية التي تحصر وراثة العرش في الرجال، معتبرة أن استمرار هذه القواعد لم يعد يتماشى مع التطورات الاجتماعية التي تشهدها اليابان.

اقرأ أيضًا| اليابان تستعد لموجة حر في ظل تحذيرات من اشتداد ظاهرة «النينيو»