«أفغانستان» من الملكية حتى «طالبان» بعيون قاضية شجاعة

كتاب تحت عنوان (مارزيا، كفاح قاضية من أجل حقوق النساء الأفغانيات)
كتاب تحت عنوان (مارزيا، كفاح قاضية من أجل حقوق النساء الأفغانيات)


  السيرة الذاتية للقاضية الأفغانية الشهيرة (مارزيا بابا كارخيل) صدرت مؤخراً فى كتاب تحت عنوان (مارزيا، كفاح قاضية من أجل حقوق النساء الأفغانيات)» Marzia: A Judge٫s Fight for Afghan Women٫s Rights.».. يتجاوز الكتاب كونه تجربة شخصية ليقدم شهادة حية على كواليس سنوات طويلة من تاريخ أفغانستان منذ حكم الملك «محمد ظاهر شاه» وحتى اللحظة الراهنة.

ويوضح كيف تعرضت النساء، خاصة المتعلمات والعاملات فى القضاء والتعليم، للتهديد والإقصاء بعد عودة «طالبان» إلى الحكم، وكيف تحول الخوف إلى جزء من الحياة اليومية، ويروى معاناة المرأة الأفغانية عموماً، وفقدها لحريتها وعذاباتها التى لا تنتهى مع أنظمة تتعاطى الدين بتفسيراته المتشددة، وتقع الدولة فى نزاعاتٍ دينية وعرقية وتنهار، وحين تنهار الدولة، تصبح المرأة غالبًا أول من يفقد حريته، وآخر من يستعيدها.

صدر الكتاب باللغة الإنجليزية تحت إشراف الصحفية والروائية الأمريكية الشهيرة «باميلا ساي»، ولقى رواجاً كبيراً حيث صدر فى كندا وبريطانيا وأمريكا وألمانيا فى نفس التوقيت، ووصف بأنه «قصة تُروى بعيون امرأة شجاعة، وقاضية صلبة الإرادة، وهى قصة عن قوة الصداقة والحب بين البشر فى أصعب الأوقات».

 

بجوار امرأة عجوز جلست فى الحافلة، وفى نقطة التفتيش ظنوا أننى ابنتها، ومن كابول هربت إلى باكستان

وجدنا الناس يطلبون منا الذهاب لأن «هناك ثورة» واختفى الملك الذى حكم البلاد فى عمر 19 عاماً، وأعلن زوج أخته «محمد داوود خان» نفسه رئيساً للبلاد وبدأ الصراع السياسى والقبلى

بدأت شرطة طالبان تفرض ما ترى أنه يجب أن تكون عليه الأوضاع، وبدأت الاتهامات تُوجه للنساء أكثر فأكثر حتى أصبحنا لا نرى النساء فى الشوارع أصلاً، وأصبحنا ثانى بلد منتج للأفيون عالميًا

الأثرياء المتهمون فى قضايا كانوا يذهبون لتناول الشاى مع القاضى فى مكتبه!

 

تصف الكاتبة طفولتها فى مدينة «بل خمري» الواقعة شمال أفغانستان بأنها كانت طفولة سعيدة فى منطقة أشبه ببلاد العجائب، حيث المدينة ثرية مليئة بالألوان والفرحة، بينما تنتشر المساحات الخضراء والجبال العالية بتدرجات الألوان البنية، وتميزت بحالة من الرخاء والازدهار، وانتشرت مختلف المصانع، فقد كانت أفغانستان تعيش لفترة طويلة فى سلام، وقد ساعد فى تحسن حال المواطنين آنذاك موقف الحياد السياسى الذى اتخذه الملك «محمد ظاهر شاه» وهو الأمر الذى مكنه من الاستفادة من الاتحاد السوفييتى، والولايات المتحدة الأمريكية فى الوقت ذاته، وتذكر الكاتبة أنه فى  تلك الفترة قد أنُشئت أول جامعة حديثة للنساء اللواتى حصلن على حق التصويت فى نفس الوقت. ويمكن القول أنه فى عهد الملك محمد ظاهر شاه (1933-1973)، شهدت أفغانستان قدرًا من الاستقرار النسبى، وبدأت محاولات لتحديث التعليم والإدارة، وظهرت بدايات لتحسين وضع المرأة فى المدن الكبرى مثل: «كابول».

ثم تستعرض الكاتبة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية فى تلك الأيام من خلال حياتها فتقول: «كنا نقضى الصيف فى مدينة «كابول» التى كانت تبعد عن مدينة «بل خمري» خمس ساعات ونصف الساعة، وكانت مدينة تزخر بالحياة، والتنوع الثقافى، وأثناء طفولتى شهدت بناء أول فندق عالمى ضخم فيها، وكنت أشاهد أصحاب الديانات المختلفة مثل: «الهندوس» و»السيخ» يمارسون شعائرهم، وكان وجودهم ورؤيتهم أمراً مألوفاً وطبيعياً».

وكان أسعد ما فى إجازة الصيف هو ذهاب الأسرة الأسبوعى لدار السينما، كانت أسرتى متعلمة وميسورة الحال، حيث كانت والدتى معلمة ثم لاحقاً مديرة مدرسة، وكانت أنيقة ولها شعر قصير، بينما كان لوالدى عمله الخاص.
 بداية التوترات

 وفجأة فى أحد الأيام وجدنا الناس يطلبون منا الذهاب معهم لأن «هناك ثورة» وهكذا اختفى الملك الذى حكم البلاد فى عمر 19 عاماً، حيث أعلن زوج أخته «محمد داوود خان» نفسه رئيساً للبلاد أثناء ذهاب الملك لعمل عملية جراحية فى عينيه فى إيطاليا، وهكذا عطل «محمد داوود خان» الدستور الذى كان ينص على أنه لا يمكن لأحد من أفراد الأسرة الحاكمة أن يتولى وظيفة تنفيذية، وأعلن قوانين عسكرية، وهكذا تبخرت فترة حكم الملك كدخان فى السماء، وبدأ الصراع السياسى والقبلى والأيديولوجى يزداد حدة.

 ولم يمضِ سوى خمس سنوات حتى أطاح «نور محمد تراقي» المدعوم من الاتحاد السوفييتى بمحمد داوود خان وتولى الحكم. بعد انقلاب 1978 وسيطر الشيوعيون المدعومون من الاتحاد السوفييتى، ثم دخل الجيش السوفييتى أفغانستان عام 1979. وهنا تحولت البلاد إلى ساحة حرب طويلة، وظهرت جماعات «المجاهدين» المسلحة بدعم خارجى ضد السوفييت، وبعد انسحاب السوفييت وسقوط الحكومة الشيوعية، لم يتحقق الاستقرار، بل دخلت الفصائل المسلحة فى صراع دموى على السلطة.

ويُظهر الكتاب كيف عاش الناس حالة انهيار أمنى وفوضى قضائية واجتماعية. وفى منتصف التسعينيات ظهرت «طالبان» باعتبارها قوة تعد بإعادة الأمن وإنهاء الفوضى. كثير من الناس رحبوا بها فى البداية بسبب تعبهم من الحرب، لكن الحركة فرضت لاحقًا تفسيرًا متشددًا للدين، خصوصًا تجاه النساء والتعليم والحريات. 

 وفى تلك الفترة لم نشعر بأى أمان، حيث شهدت الكثير من الهجمات على النساء وأصبح وجودهن فى الشوارع يحفل بالخطر، وبالرغم من ذلك كان والدى مؤمناً بحقوق النساء، وقوتهن وسمح لنا بتعلم قيادة السيارات ودخول الجامعة بالرغم من الظروف الخطرة.

  وبمضى الوقت بدأ شىء يتغير حيث كنت أشعر حينما أتحدث عن السينما لزميلاتى فى المدرسة كنت أرى فى عيونهن نظرات الاستغراب، وكأن السينما أو المسرح شىء مشين، أماكن ينبغى أن يخجل المرء من الذهاب إليها، وبدأت ألاحظ أن الكثير من الفتيات يختفين من فصول الدراسة بدءاً من عمر الأربعة عشر عاماً وحينما كنت أسأل كانت الإجابة: من أجل الزواج.

وفى ذلك الوقت عقدت عزمى على أن أصبح قاضية لأكون مثل «نفيسة شيرزاد» التى كانت أول امرأة قاضية فى «بل خمري» وكنت قد التقيتها أنا ووالدى ذات مرة وأعُجبت بمدى الاحترام والتقدير الذى كانت تحظى به، وهكذا اتخذت طريقى نحو دراسة القانون فالتحقت بكلية الشريعة «جامعة كابول».

التشدد يتسلل للجامعة

كان من أوائل الأمور التى لفتت انتباهى وغضبى فى الجامعة هى «حوادث الصوم»، حيث بدأ مراقبة أى شخص وتوقيفه، وتوبيخه فى حالة عدم التزامه بالصوم، ولكن الحادثة المؤسفة فعلاً كانت حينما تم مضايقة فتاتين بسبب عدم الصوم بالرغم من أن الشرع قد أباح لهن الإفطار فى أيام معينة، وكأن هناك شيئاً خطأ حيث يتحول الصيام من كونه تقرباً إلى الله وتهذيباً للنفس والروح ليكون الشخص الصائم عدوانياً، ومتضرراً، وكأنه غير قادر على كبح جماح نفسه عند عدم تناول الطعام لبعض ساعات، وكأن هذه المهمة عصية للغاية، وتكاد تصيبه بالجنون والغضب والحقد إذا رأى شخص آخر لا يصوم، فكأنه يمنع الناس مما أحُل لهم، كان أمراً مُحزناً أن نشاهد هذه الأمور فى كلية من المُفترض أن طلابها يدرسون القانون!

وتضيف المؤلفة: «مرت سنوات الدراسة وحتى آخر لحظة وأنا أجد القوانين جامدة، قوانين تبتعد عن الجانب الإنسانى وتبدو نصوصاً جامدة، تتجرد من روح القانون والهدف والغاية السامية وتطبق النص بدون تفكير».

الالتحاق بالقضاء

 تقول الكاتبة: «بدأت عملى كمساعدة لقاضٍ فى الخمسين من عمره كان علىّ أن أقرأ القضايا، كل ورقة فى كل قضية، ولم يكن من الممكن أن أتأخر لثانية واحدة، وحينما تسلمت عملى كقاضية فى محكمة الأسرة حيث أحكم فى قضايا النفقة، والطلاق، والزواج، وغيرها عرفت أن العدالة ميزانها مختل طوال الوقت وغائبة فى أغلب الحالات خاصة عند النساء.

 وكان أمراً صادماً لى أن اكتشف أنه أمر طبيعى ومألوف أن الأثرياء المتهمين فى قضايا كانوا يذهبون بكل بساطة لتناول الشاى مع القاضى فى مكتبه، وغالباً ما يجد القاضى طريقة ليُخرجهم بها من القضية، بينما الفقراء ولا سيما النساء لا يراهم القانون ويجلسون بالساعات والساعات أمام المحكمة وكأنهم لا شىء، وقتهم لا يهم، ومظالمهم لا تستحق الاستماع إليها».

 لم يمضِ وقت طويل حتى ندمت على دخولى القضاء، فقد كنت أحكم فى قضية امرأة مُتهمة بالزنا، جلست معها فى غرفة على انفراد نظراً لحساسية الموضوع، وعرفت مأساتها فقد كانت تعيش فى منزل أسرة زوجها، ولم تكن تنجب، وجرت العادة فى ذلك الوقت أن عدم الإنجاب هى مشكلة المرأة، فتوجهت لشخص مشهور بأنه «مبروك» تذهب له النساء طلباً للبركة، ولكن هذا الرجل اغتصبها وضربها وحينما صرخت تم القبض عليها هى.. والعجيب أن هذا الرجل لم يتم استجوابه حتى ولم يوجه له أى اتهام.

 كان الجميع يعرفون حقيقة القصة ولم يفعل أحد أى شىء، لا الشرطة، ولا أهل الفتاة، ولا زوجها، الكل تركها لمصيرها المظلم، ولم يكن بوسعى قانونياً أن أفعل أى شىء للرجل، ولا حتى أن أبرئ تلك السيدة المظلومة، فقد كانت القوانين شديدة الجمود، والتحجر، وتقتضى بأن تحبس تلك المرأة من ثلاث لأربع سنوات، وكان تحقيق العدالة لها يقتضى أن أتدخل بشكل شخصى وغير قانونى إذ وجدت طريقة للتواصل مع أحد أقاربها، حيث كان الجميع قد قاطعوها وأطلب منه أن يطلب من كبار عائلة زوجها وعائلتها أن يجلسوا معاً ويتفقوا على أن يأتوا للمحكمة ويطلبوا أن يتم إطلاق سراحها .. وهو الأمر الذى حدث فى النهاية فيما بعد عرفت أنها ما إن عادت لبيت زوجها حتى قاموا بقص كل شعرها كطريقة لعقابها وإهانتها وذلها.

كان هذا هو الحال فى أغلب الحالات، وكأن العدالة وسيلة لهروب الأغنياء من المساءلة وطريقة لمضاعفة ظلم المظلومين وسحقهم، كنت حزينة، وبدأت صحتى النفسية تتراجع وبدأت أندم على قرارى بدخول القضاء، لم أكن أتخيل أنه مظلم لهذه الدرجة.

 حتى رجال الشرطة لم يكونوا أفضل حالاً، فلا أنسى زوجة ضابط الشرطة الحامل التى ركعت على ركبتيها تطلب منه ألا يطلقها حتى تضع طفلهم الرابع، توسلت لى أن أقنعه بعدم تطليقها، ولكن دورى كان إدارياً لا أكثر، وحينما طلبت منه أن يفكر فى إعطائها مهلة الأشهر الأربعة فربما يغير رأيه فى تطليقها هددنى بأن هذا ليس من حقى وبأنه سيضرنى فى عملى رافضاً توسلات المرأة لأنه وعد فتاة أخرى بالزواج فى نفس الأسبوع.

 لا نساء بالشوارع

وخلال سطور الكتاب توضح المؤلفة أن الأمور بدأت تمضى من سيئ لأسوأ حتى منتصف التسعينيات حينما بدأت «شرطة طالبان» تفرض ما ترى أنه يجب أن تكون عليه الأوضاع، وبدأت الاتهامات تُوجه للنساء أكثر فأكثر حتى أصبحنا لا نرى النساء فى الشوارع أصلاً، وبالرغم من اختفاء النساء لم نرَ أى ازدهار ولا تحسن.

 وكان من أسوأ الأمور فى أفغانستان أن المرأة المطلقة لا تريدها أسرتها لأنها تجلب لها العار، وكان هناك الكثير من النساء اللواتى لم يعد أزواجهن يريدوهن لأنهم يبحثون عن فتيات أصغر .. وكان لدى تلك النساء جميعاً أطفال، فاستخدمت إحدى مزارع والدى كمأوى للمطلقات المشردات حتى يجدن سبيلاً للحياة.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت مدينة «بل خمري» فى عام 1997 تسقط شيئاً فشيئاً بين أيدى «طالبان» وتم منع النساء من العمل مع استثناء قليل حيث سمح لهن بالعمل فى مجال الرعاية الصحية، وتم فرض زى مُوحد ومُنعت الفتيات فى كثير من الأماكن من التعليم، وتم إغلاق المدارس المشتركة، وتم إغلاق المصانع التى اشتهرت بها مدينتى، وأصبحنا نعيش فى أجواء من الخوف حيث راجت تجارة الحشيش وفُرضت عليه ضرائب وأصبحنا ثانى بلد منتج للأفيون عالمياً. كان هناك وجود خفيف لليونيسيف، ولكن تم التضييق على الموظفين، حيث تم جلد اثنين من الموظفين أمام حشد من الناس كما تم اعتقال موظفين فرنسيين لأكثر من شهر بسبب حضورهم حفلاً كانت نساء تحضره. كما تم منع النساء من الخدمة العامة وبات من الطبيعى أن تموت امرأة لأنه لا يمكن أن يعالجها طبيب، وتم تسريح الموظفات، وأصبح «الشادور» هو زى النساء وتُعاقب من لا ترتديه.

 أصوات الرصاص

   وفى يونيو عام 1997 بدأنا نسمع أصوات إطلاق الرصاص تدوى خارج بيتنا، إذ كانت هناك مواجهات بين القوات التى يقودها «محمد عمر» وبين قوات حكومية، وكان «محمد عمر» يحارب فى البداية مع المجاهدين ضد القوات السوفييتية، وفقد عينه اليمنى فى أحد الانفجارات أثناء الحرب الأهلية، وبعد أن رحل السوفييت عن أفغانستان عاد محمد إلى دراسته، ولكن سخطه على أمراء الحرب فى أفغانستان وهم فصائل عُرفت ببربريتها وعنفها، لاسيما فيما يتعلق باغتصاب النساء، مما دفعه للعودة من جديد وأسس طالبان فى عام 1994 وهزموا بعضاً من أمراء الحرب وبدأ الناس يطلبون منهم التدخل لحل النزاعات وقتها أسس محمد عمر دولته الدينية على التفسيرات الدينية المتشددة مما أدى إلى اضطهاد ومضايقة أصحاب الديانات الأخرى بشكل كبير.

 القاعدة ومحمد عمر

وكان فى عام 1996 قد وقع خلاف بين مؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن وبين محمد عمر بسبب رغبة الأخير فى تهدئة الأمور مع أمريكا التى كانت قد دعمت المجاهدين بمليار دولار، وفى نهاية 1996 سيطرت طالبان على ثلثى البلاد وفى عام 1997 سقطت مدينتى، «بل خمري»، كلها تقريباً فى أيدى طالبان، وكانوا أمام بيتى للقبض علىّ، رأيناهم من بعيد وطلبت منى أمى الهرب فوراً.

كنت أعرف أننى مشهورة ومكروهة بالنسبة لهم بسبب آرائى وبسبب مأوى المطلقات المشردات وبسبب كونى قاضية معروفة، وكان لبيتنا باب خلفى بعيد وبجواره بعض المستنقعات التى اختبأت بها وأنا أحتمل لدغات الحشرات، كنت أشاهد من بعيد التخريب، والتكسير فى المنزل الأنيق لمدة أكثر من مائتى دقيقة مضت كأنها عمر كامل بعد أن انطفأت الأنوار وغادروا عدت من الباب الخلفى وطلبت منى أمى أن أهرب إلى باكستان، ذهبت مع أمى إلى جيراننا الذين أعطونى برقعاً حيث لم نعتد على ارتدائه ولملمت أوراقى وجلست فى  الحافلة الذاهبة إلى «كابول» بجوار امرأة عجوز وفى نقطة التفتيش ظنوا أننى ابنتها، ومن كابول هربت إلى باكستان.

حينما وصلت إلى باكستان لم يكن هناك أحد ينتظرنى ولم يكن هناك تفتيش من أى نوع، دخلت باكستان دون أن يسألنى أحد أى سؤال كان معى فقط عنوان قاضية زميلة هربت منذ فترة طويلة قبلى، استأجرت سيارة وقررت أن أذهب إليها، لم أكن أعرف إن كانت ستستقبلنى أم لا؟ إن كانت سترحب بى أم لا. استقبلتنى بكل ترحابٍ ولم أكن أتخيل أن تلحق بى أمى وأسرتى بعد أيام قليلة، فبالرغم من أنها أخبرت مقاتلى طالبان أننى غير موجودة ولن أعود إلا أنهم طلبوا منها أن تغادر لأنهم يريدون المنزل الذى حطموا كل ما فيه. 

فى باكستان تبرعت لنا قريبة صديقتى بمبلغ خمسمائة دولار واشترينا رخصة مدرسة فى باكستان لتعليم الأطفال الأفغان، وكانت بالمجان لمن لا يستطيع الدفع، وهكذا انخرطنا جميعاً فى العمل فى تلك المدرسة طوال فترة اللجوء فى باكستان التى امتدت منذ عام ١٩٩٧ وحتى عام ٢٠٠١ حينما عدنا مرة أخرى إلى كابول فى أفغانستان بعد الحرب الأمريكية، ومجدداً بدأت المدارس تفتح أبوابها للفتيات وبدأت النساء تمشى فى الشوارع بوجوههن، عدنا إلى منزلنا فى «بل خمري» فأخبرنا الجيران أن منزلنا كان بمثابة ثكنة عسكرية لمقاتلى طالبان، الذين غادروه تاركين إياه مهترئاً متهالكاً مُحطم الأبواب والنوافذ.

بدأت الحياة تعود وبدأت أكثف جهودى فى الأنشطة المتعلقة بتعليم الفتيات إيماناً بأنه كلما زاد الجهل والأمية بين النساء انتقلت للأطفال وتأخر المجتمع، ولكن القوى الرجعية كانت ذات نفوذ قوى وكنا نشاهد يوماً بعد يوم حوادث قتل الناشطات، والصحفيات مثل: شيماء رضاى مقدمة البرامج التى تم اغتيالها فى عام ٢٠٠٥ حينما وجهت لها القوى المحافظة اتهاماتٍ بأنها تفسد المجتمع.

تهديد بالقتل

وذات يوم فى عام ٢٠٠٧ أعطى أحدهم رسالة للسائق ليوصلها لي: كانت رسالة تهديد بالقتل، عشت فترة أحاول توخى الحذر، ولكن رسالة أخرى لأمى بعدها بوقت قصير كانت تعنى أن الخطر قادم، وذات يوم فى فى أواخر عام ٢٠٠٧ كانت هناك محاولة لقتلى فى حادث سيارة كنت بين الحياة والموت فى المستشفى حيث تكسرت ساقاى وعظامى وكان كل شىء يدفعنى للهرب مجدداً ولاسيما توسلات أمى، وبالفعل كانت رحلة أخرى من الهروب انتهت بوجودى فى المملكة المتحدة منذ ذلك الوقت، وبالرغم من ذلك ما زالت لديّ شبكة من العلاقات مع الكثير من النساء الأفغانيات القويات اللواتى يردن لبلادهن أن تكون مثل الدول المتقدمة وأن يكون للبشر فيها كرامة ومكانة وصوت.

من هى مارزيا باباكارخيل؟

هى قاضية أفغانية شهيرة تنحدر من أسرة ثرية، معروفة بأفكارها التنويرية ودفاعها عن حقوق النساء الأفغانيات، واشتهرت بمبادراتها الاجتماعية الخيرية مثل: إنشاء مأوى للمطلقات المُشردات ومدارس لتعليم الأطفال، وهى تعيش فى المملكة المتحدة بعد هروبها من أفغانستان وتعمل كمستشارة قانونية لمجموعة من نواب البرلمان البريطانى، وتواصل حملاتها للمطالبة بمعاملة عادلة للنساء فى أفغانستان.