المؤرخة الفرنسية «كلودين ديزون»: مكتبة الإسكندرية أول ذكاء بشرى

مكتبة الإسكندرية قديمًا - مكتبة الإسكندرية حديثًا
مكتبة الإسكندرية قديمًا - مكتبة الإسكندرية حديثًا


الحداثة فى الغرب جاءت نقلًا عن الحضارة المصرية القديمة عبر الفكر اليونانى

عادت المكتبة بفضل ثلاثة رجال: د. طه حسين ودعوته إلى مصر المستنيرة، ثم مصطفى العبادى المؤرخ الدءوب، ومحسن زهران المهندس الشاعر

«بطليموس الأول» هو البانى والمطور لمدينة الإسكندرية ومكتبتها، خاض مع الإسكندر المقدونى معاركه، وكان أول حاكم فى التاريخ ينشئ سلطة قائمة على العلم والمعرفة

الكتاب يطرح مقارنة جريئة مع عصرنا الحالى، حيث يضع مركزية البيانات القديمة فى منظور مُقارن مع الحوكمة الخوارزمية الحالية وطفرة الذكاء الاصطناعى

تكشف «ديزون» فى كتابها البعد الجيوسياسى لهذا التراكم المعرفى الهائل، إذ كان الهدف: «تكريس تفوّق اللغة والثقافة اليونانيتين، ومواجهة الهيمنة العريقة للمعرفة المصرية عبر صناعة جذورٍ مُصطنعة». فالبطالمة، أولئك المقدونيون الذين حكموا- مصر- أرضًا ليست أرضهم، كانوا يصوغون شرعيتهم من خلال الاستيلاء على ذاكرة العالم.
فى هذا الكتاب تقدم الكاتبة عملًا يقف على حافة التاريخ وتاريخ الفن والفلسفة،

فهو ليس مجرد سردٍ تاريخي، ولا مجرد احتفاء علمى بمكتبة الإسكندرية، بل هو رحلةٌ عبر العصور، وعبر العقول، ومع شعلة المعرفة وقممها الشاهقة ودروبها العميقة السحيقة، حيث تحكى تاريخ مكتبة الإسكندرية من خلال شخصيات مثل: الإسكندر المقدوني، وبطليموس الأول، وأرسطو، وكليوباترا، لتستكشف فى رحلة فريدة القوة السياسية للمعرفة، وكذلك هشاشة الحضارات الفكرية. كما يطرح الكتاب مقارنة جريئة مع عصرنا الحالي، حيث يضع مركزية البيانات القديمة فى منظور مقارن مع الحوكمة الخوارزمية الحالية وطفرة الذكاء الاصطناعي.

مكتبة الإسكندرية لم تكن مجرد مبنى يضم آلاف اللفائف، بل كانت مشروعًا حضاريًا هدفه جمع معارف العالم المعروف آنذاك، وترجمتها وتنظيمها وإتاحتها للباحثين. ومن هذا المنظور، تعتبر المؤلفة أن المكتبة مثلت أول «ذكاء بشرى جماعي» واسع النطاق؛ إذ جمعت عقولًا وخبراتٍ وتجارب من حضارات مختلفة فى منظومة واحدة.

كيف عادت المكتبة؟

لقد تطلب الأمر ثلاثة رجال، وثلاثة أصوات يفصل بينهم قرن من الزمان، لكى يجد ظل مكتبة الإسكندرية طريقًا للعودة إلى النور.. أولهم كان «د. طه حسين»، ذلك الطفل الكفيف الذى أصبح أستاذًا فى التاريخ والمنطق، فمن خلال صرامته الفكرية ودعوته إلى مصر مستنيرة، أحيا فكرة أن المعرفة كان يمكن - بل يجب- أن تكون مُكتسبًا حرًا، متحررًا من الدوجمائيات..

ثم جاء «مصطفى العبادي»، المؤرخ الدءوب، الذى أعاد للمكتبة رونقها الأصلي. وذلك من خلال سنواته فى البحث والمحاضرات والمثابرة بهدوء، حيث أعاد إحياء هذه المؤسسة التى اندثرت، ناسجًا بصبر ذاكرة الإسكندرية بين الأرشيفات والسرديات والآثار.. وأخيرًا ظهر «محسن زهران»، المهندس- الشاعر، الذى استطاع أن يحوِّل الحلم إلى أحجار للتشييد والبناء.

وبتوجيهاته، تحوَّلت رؤية العبادى العلمية إلى عملٍ من زجاجٍ ونور، أي: مكتبة الإسكندرية الجديدة، الشامخة فى مواجهة البحر على هيئة كسوفٍ معكوس، متوجهة ليس نحو الماضي، بل نحو المستقبل..

ومن خلال هؤلاء الثلاثة، امتد خط غير مرئي، ومن دون أن يعرف بعضهم بعضًا، عملوا كأنهم حلقات وصل لغاية كتب لها القدر النجاح وهى إعادة فتح باب الإسكندرية، وردّ ذاكرة أول مركز معرفى فى العالم إلى البشرية. هذا الكتاب يكشف أيضًا أن دورات المعرفة هى كذلك دورات صمود. فمع كل دمار ولادة جديدة.

ومع كل رماد تُنثر بذرة. شريطة أن نفهم دروسها، وشريطة أن نختار أن نتذكر ليس فقط المكتبة كمجرد مكتبة، بل: كذاكرة حية، ونقدية، وعضوية، ومتناثرة، لكنها متماسكة. مكتبة ليست كمتحف، بل كمشروع وعي.

«رد اعتبار»

وهنا وعلى ذكر حريق مكتبة الإسكندرية تُبحر المؤلفة فى غياهب تلك الفاجعة الغامضة: إنه حريق عام 491 الذى التهم المكتبة، وما زال لغزه موضعًا للبحث والتقصى ويثير الجدل حتى يومنا هذا، هل كان الحريق بفعل خطيئة يوليوس قيصر؟ أم الرومان؟ أم تسبّب فيه متعصبون مسيحيون؟ أم العرب؟

هنا، تسعى الكاتبة لردّ الاعتبار إلى الحقيقة التاريخية وليس لهذه الفئة أو تلك، حيث تلقى بمسئولية تلك الموجات من الحرائق التى أبادت المعرفة على كاهل متعصبين مسيحيين لا العرب. وتقول فى هذا الصدد: «لقد كانت الإسكندرية حواضر «كوزموبوليتانية» يمتزج فيها العرب بالأقباط واليهود. وإذ كان العرب شغوفين بالمنهل المعرفى اليوناني، كان المتعصبون يضرمون النار فى «برديات العلم وصروح المعابد»، وتستطرد مؤكدة: « إن الفضل فى بعث العلوم وتمكينها يعود إلى العرب».

وتشير الكاتبة إلى أن موجات متعاقبة من ظلمات الجهل قد حكمت على لواء المعرفة بالانطفاء والزوال؛ «فمع جنوح المتعصبين إلى أن كل الحقائق قد أُودعت فى «الكتاب المقدس»، تعيّن على البشرية أن ترقب ثمانية عشر قرناً كاملة لكى يتجلى مذهب «مركزية الشمس»، وينقلب الفلك العلمى ليعترف بأن الشمس هى قلب هذا الكون ومركزه».
وتكمل الكاتبة بنبرةٍ يملؤها الدهشة: « إن الطلاب الذين التقيتهم فى ردهات المكتبة يعبرون لى عن صدمتهم، فقد نُشّئوا على قناعةٍ تزعم بأن العرب المخربين قد أتوا على الأخضر واليابس، فى حين أنهم هم من هبّوا لإنقاذ كل شيء!».

إسكندرية أخرى

هذا الكتاب- ظهر فى القائمة القصيرة لجائزة « مار نوستروم» Mare Nostrum التى تُمنح للأعمال التاريخية - يُضيء شمعة بدلًا من أن يلعن الظلام، لأنه يكشف عن إسكندرية أخرى، إسكندرية تنبض بالحياة فى الخفاء، ولا تزال تتنفس فى الصمت المهيمن على قاعات القراءة، وفى غبار المخطوطات، وفى حفيف فكرةٍ على قيد الحياة، رغم كل شيء.

لقد حان الوقت لنتذكَّر أن تاريخ المعرفة هو أيضًا تاريخ عنف أنظمة، وتاريخ صراعات الفكر، وخيانات الذاكرة. وعلى النقيض من خرافة الفناء التام وسط النيران، يبرهن الكتاب على أن جوهر مكتبة الإسكندرية وأساليبها فى تبويب المعرفة قد ارتحلت وكُتب لها الحياة فى حواضر علمية كبرى أخرى كبغداد وطليطلة..

بعيداً عن الانكفاء على الحقبة القديمة، تنسج الكاتبة روابط عديدة بين الفنون والعلوم، وتستحضر تأثير الماضى على الحاضر. وبين قامات أدبية مثل: «مارجريت يورسينار» وطه حسين، وعلماء مثل: «يونج» وفيثاغورس، وشخصيات محورية مثل: كليوباترا، تذكرنا الكاتبة إلى أى مدى يُعد تطور البشرية ثمرة للإثراء المُتبادل بين العقول العظيمة.

وفى الفصل الأخير للكتاب الذى جاء بضمير المتكلم (أنا)، تكشف الكاتبة عن علاقتها الحميمة بمدينة الإسكندرية. ففى تحية مُهداة إلى «محسن زهران»، أستاذ الهندسة المعمارية والتخطيط العمرانى وصاحب فكرة مشروع مبنى «مكتبة الإسكندرية» الحالي، تسترجع الكاتبة تفاصيل لقائها بهذا الرجل الذى ناضل لتقديم المشروع إلى منظمة اليونسكو، قبل إطلاق مناقصة دولية فاز بها المكتب النرويجى «سنوهيتا» (Snøhetta). ورغم أن المشروع واجه انتقاداتٍ واسعة فى بادئ الأمر، لا سيما بسبب تكلفته العالية، فإن الكاتبة تُحيى نضال هذا المعمارى لفرض صرحٍ ثمين مُكرس للمعرفة ومتاح للسكان المحليين، صرحٍ يتيح للمصريين إعادة التواصل مع تاريخهم واستشراف آفاق جديدة منه.

من جهة أخرى، تؤكد الكاتبة على أهمية القراءة كمحور أساسي. ولعل الفكرة الجوهرية التى يجب استخلاصها هنا هى النظر إلى المكتبات كحائط صد فى وجه الرقمنة، حيث تقول: « يجب على الطلاب أن يستمروا فى تخصيص الوقت للقراءة»، وهو رأى تعززه باستحضار فكرة «نابوكوف»: «أريدكم أن تنبهروا بما تقرأونه، ولكن قبل كل شيء، بالمعجزة الكامنة فى كونه قابلاً للقراءة».

وإذا كان هذا العمل «لكولدين» ينطلق من أصول المعرفة والكتابة وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، فإن هناك حقيقة ينبغى أن توقظ القارئ، وهى أن « الذكاء الاصطناعى لم يكن ليوجد لولا الكتابة، ولولا ذلك الأثر الذى تركه الأقدمون». وفى خضم الجدل المُثار ضد ذكاء اصطناعى قد يأتى «ليجردنا من ذكائنا الفطري»، وخوارزميات «تُفسد عقولنا»،أى أن الذكاء الاصطناعى لا ينشأ من فراغ، بل يعتمد على ما سجله البشر وكتبوه عبر آلاف السنين. لذلك فإن الكتابة والأرشفة والمكتبات هى الأساس الذى قامت عليه كل أشكال المعرفة الحديثة. تصوغ الكاتبة رؤيتها لعالم معاصر بات فقيراً، بسبب معرفة لم تعد تُجمع بعناية، بل أصبحت تُفرز وتُراقب بعين واحدة من قِبل «أوليجارشية مهووسة بتزييف التاريخ لتحقيق مصالحها».

وبروح من الحذر، تترك الكاتبة أثراً لفكر متفائل، يحمل إيماناً بالذكاء البشرى وقدرته على تحدى المعرفة الزائفة لاستخلاص المعرفة الحقيقية، تلك المعرفة التى تبنيها الكتب، والتى تظل وحدها القادرة على تقطير القدرة على الحلم والتخيل.

ويمكن تلخيص رسالة الكتاب فى عبارة واحدة: الحضارة لا تُبنى بالثروة وحدها، بل بقدرتها على حفظ المعرفة وتطويرها ونقلها من جيل إلى جيل، ومن هنا تكتسب مكتبة الإسكندرية مكانتها الرمزية؛ فهى لم تكن مجرد مكتبة، بل نموذجًا مبكرًا لفكرة ما زالت تحكم العالم حتى اليوم: أن المعرفة البشرية المتراكمة هى أعظم قوة أنتجها الإنسان، وأن كل تقدم علمى أو تقنى جديد يقف على أكتاف ما كتبه وفكر فيه السابقون.