إسبانيا تجهز «الروندو» لخنق ميسي

فرنسا وإسبانيا
فرنسا وإسبانيا


عبرت إسبانيا ببراعة إلى نهائي كأس العالم بفضل القوة الكبيرة لثلاثي خط الوسط، المكون من رودري وفابيان رويز وداني أولمو.

ويأمل «الماتادور» الإسباني أن تستمر هذه الميزة التي يحظى بها خلال المواجهة المرتقبة أمام الأرجنتين في نهائي المونديال يوم الأحد المقبل.

تبدو فكرة تمرين «الروندو» في غاية البساطة، إذ يتلخص في وقوف مجموعة من اللاعبين داخل دائرة لتبادل الكرة بلمسة أو لمستين، بينما يحاول لاعب أو أكثر في المنتصف قطعها بكل قوة.

ورغم أن دولاً كثيرة تكتفي باستخدام هذا التمرين كإحماء بسيط أو تدريب هامشي، فإنه يمثّل في إسبانيا أساس الهوية الكروية والأسلوب الوطني الذي تفهم وتدرس به اللعبة.

ويتعلم الأطفال في إسبانيا هذه اللعبة في سن مبكرة جداً، وتظل ركيزة أساسية حتى في أعلى مستويات الاحتراف، حيث تغرس المهارات والقيم التي تمنح المنتخب الحالي قوته القائمة على الاستحواذ والسيطرة.

ومع تدوير الكرة سريعاً بين اللاعبين تحت ضغط المدافعين في وسط الدائرة، يطوّر المشاركون سرعة رد الفعل، ورؤية الملعب، ودقة اتخاذ القرار، خاصة في توقيت التمرير، بجانب تحسين التحكم بالكرة والتمركز السليم.

ومن الصعب إحصاء عدد مرات الروندو التي خاضها رودري وفابيان رويز وداني أولمو، هذا الثلاثي الذي تلاعب بمنتخب فرنسا في الدور قبل النهائي لمونديال 2026، لكن المؤكد أنها تصل لآلاف الساعات من صقل التمرير بالقدمين والحفاظ على الهدوء في أضيق المساحات، والنتيجة واضحة في قدرتهم الفائقة على التحكم بالكرة تحت أي ضغط.

وعبّر مدرب المنتخب الإسباني لويس دي لا فوينتي عن فخره الشديد بعد الفوز المستحق بهدفين دون رد على «الديوك»، مشيداً بالتزام لاعبيه والروح التي قادتهم لهذا الإنجاز قائلاً: «التأهل إلى نهائي كأس العالم يمنحنا شعوراً كبيراً بالمسؤولية، لكنه أيضاً شرف لا يحظى به إلا القلة، لقد حافظنا على هويتنا طوال السنوات الأربع الماضية وهذا ما أوصلنا إلى هنا».

وأضاف دي لا فوينتي «واجهنا واحداً من أقوى المنتخبات، لكنهم اصطدموا بالفريق الأفضل في العالم حالياً، وهؤلاء اللاعبون يستحقون كل إشادة بفضل التزامهم وتضحياتهم اليومية، ومشاهدتهم وهم يلعبون بهذه الروعة اليوم كانت متعة حقيقية».

ورغم أن منتخب إسبانيا يلعب عادة بطريقة 4/ 3/ 3، فإن هويته لا ترتبط برسم تكتيكي معين، بل تعتمد على قدرة كل لاعب على التعامل مع الكرة بملء الثقة، والتحرك الذكي للمساندة أو الاختراق بالمراوغات، بحسب الموقع الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).

وكانت هذه المنظومة الجماعية، التي تعمل بدقة الساعة، أكبر من قدرة فرنسا على الاحتمال، وهي التي تعتمد على العكس تماماً، أي الفرديات واللقطات اللامعة لخط هجومها القوي.

وواجه وسط فرنسا صعوبة بالغة في مجاراة الإسبان، مما دفع المدرب ديدييه ديشامب لاستبدال أدريان رابيو بين الشوطين بعد حصوله على إنذار مبكر، في حين تاه أوريلين تشواميني تماماً في خط الوسط.

وعقب المباراة، قال ميكيل أويارزابال، الذي افتتح التسجيل من ركلة جزاء، «خطتنا كانت إغلاق المساحات لمنع هجماتهم المرتدة السريعة، ونجحنا في ذلك بفضل العمل الجماعي، كما أن تدويرنا السريع للكرة جعل مهمة استعادتها صعبة عليهم وأرهقهم كثيراً».

وفرض رودري إيقاعه الكامل على مجريات اللقاء، وظهرت قوته بوضوح بعدما تخلّص من الرقابة اللصيقة التي فرضها عليه ميكايل أوليسيه الذي عانى من الإرهاق لاحقاً. ويمتلك نجم مانشستر سيتي حاسة سادسة تمكنه من كشف تموضع جميع اللاعبين في الملعب، مما يمنحه توازناً مذهلاً يسهل مهمة زملائه ويصعبها على المنافسين.

واعترف ريان شرقي، الذي شارك كبديل مع فرنسا في الشوط الثاني، بنقاط قوة إسبانيا قائلاً: «كنا نعرف أن قوتهم الكبرى تكمن في تدوير الكرة ونقل اللعب من جهة لأخرى والاستحواذ، وكان يجدر بنا التحكم في الإيقاع بشكل أفضل ومجاراتهم في السيطرة على وسط الملعب، لكننا فشلنا في ذلك فصارت المباراة معركة شاقة».

ورغم امتلاك فرنسا ترسانة من النجوم بقيادة كيليان مبابي وبدعم من أوليسيه وعثمان ديمبلي، وبرادلي باركولا، فإن عزلهم عن الكرة والمساحات جعل خط الهجوم يبدو عاجزاً ومتباعداً أمام ترابط الإسبان. وأعاد هذا المشهد للأذهان سيناريو نهائي مونديال قطر 2022 عندما سيطرت 
الأرجنتين على فرنسا، ولكن دون أن تظهر هذه المرة انتفاضة مبابي المتأخرة.

ويكمن سر تميُّز خط وسط إسبانيا في التكامل الذكي بين عناصره، فبينما يضبط رودري الإيقاع، يمنح رويز الفريق ميزة الاختراق والتقدم بالكرة نحو مناطق المنافس بمهارة عالية ظهرت بوضوح ضد فرنسا.

أما أولمو، فهو يصنع الفارق بجرأته الهجومية وقدرته الفائقة على استغلال المساحات والتسلل لمنطقة الجزاء، ليصبح الأكثر فاعلية في صناعة وتسجيل الأهداف بين هذا الثلاثي.

ولا تقتصر قوة إسبانيا على هذا الثلاثي فقط، فعندما تضيق المساحات في العمق، يتدخل مارك كوكوريا لفتح الأطراف، كما يسهم أليكس باينا في بناء اللعب، أو يتحرك ميكيل أويارزابال كمهاجم وهمي لربط الخطوط، بينما يملك لامين يامال القدرة على تجاوز المدافعين في الجانب الأيمن أو التراجع للربط مع القادمين من الخلف.

ومهما تغيرت الأسماء أو المراكز، لا تتخلى إسبانيا عن مبادئها، فالقوة الحقيقية لأبطال العالم لعام 2010 لا تعتمد على نجم أو تكتيك بعينه، بل على أسلوب جماعي يجعل من كرة القدم لعبة في غاية الجمال.

أخبار الرياضة