إسطنبول - سامح فواز
في ساحة أمينونو بإسطنبول، تلتقي أصداء الأذان من المآذن القريبة بضجيج المدينة وحركة السياح، أقيم معرض "غزة مكتوبلاري" (Gazze Mektupları)، أو "رسائل غزة".
الموقع نفسه يحمل دلالة، فمن خلفية المكان تلوح مآذن أحد الجوامع الكبرى، ويظهر برج غلاطة في الأفق البعيد، ما يضع الزائر في قلب المشهد التاريخي لإسطنبول، على ضفاف مضيق البوسفور.
المعرض من تنظيم رئاسة الاتصال التركية، وهو مفتوح للجميع مجاناً، كما تعلن اللافتات المعلقة على مدخله بوضوح.

أما الفكرة التصميمية للمعرض، فتقوم على مبدأ واحد واضح، وهو نقل الزائر بصرياً وحسياً إلى أجواء الدمار في غزة، بحيث يختبر شيئاً من واقع الحرب هناك، ولو للحظات، قبل أن يخوض في محتوى المعرض الفعلي من رسائل وصور وقصص إنسانية، تماماً كما يوحي الاسم.
فبدلاً من أن يكون المعرض مجرد صالة عرض تقليدية بجدران بيضاء وإضاءة هادئة، تحول المكان بالكامل إلى محاكاة معمارية لحي مدمر، ليصبح الدخول إليه بحد ذاته تجربة انتقالية أشبه بعبور حدود غير مرئية بين عالمين.
واجهة تُخادع العين
قبل أن يخطو الزائر خطوة واحدة داخل الخيمة الكبيرة المقامة في قلب إسطنبول، يستقبله مشهد صادم، وهو جدار أبيض مهترئ، مثقوب بعشرات الفتحات التي تحاكي آثار الرصاص والشظايا، وبقايا كتل خرسانية متطايرة كأنها لحظة انفجار مجمدة في الزمن.
أمام الجدار سيارة بيضاء صغيرة، جسدها بالكامل مغطى بثقوب الرصاص، سقفها محطم، ونافذة أمامية عليها صورة لامرأة، ربما ضحية، أو أم تنتظر.

وفي زاوية من الجدار، نافذة صغيرة محطمة الحواف تحتضن مجموعة من الدمى المحشوة الباهتة، جالسة كأنها تنتظر أطفالاً لن يعودوا.
هذا ليس مبنى حقيقياً بالطبع، لكنه بُني بدقة مؤلمة ليُشعر الزائر أنه يقف أمام بيت غزي دُمر بالفعل.
من الضوء إلى العتمة
بمجرد دخول الفتحة المفتوحة في الجدار، ينقلب المشهد تماماً، إذ يتلاشى النور الأبيض القاسي لشمس إسطنبول، وتحل محله عتمة مشحونة تضيئها إسقاطات ضوئية زرقاء باردة.
الجدران هنا ليست بيضاء بل رمادية محترقة، ملطخة بآثار دخان وهدم، والسقف الأسود يمتد فوق الرؤوس كأنه سماء بلا نجوم.
على الفور تصطدم العين بلافتة معلقة بشكل مائل: "مستشفى الشفاء - AL-SHIFA HOSPITAL"، وتحتها لافتات إرشادية بالعربية "الطوارئ"، "العمليات"، "الأشعة"، إشارات كانت يوماً تقود المرضى إلى الأمل، وأصبحت هنا تقود الزوار إلى الركام.
العودة.. بلا عنوان
من أكثر التفاصيل تأثيراً في المعرض لوحة معدنية صغيرة معلقة على جدار متصدع، كُتب عليها "شارع العودة".
عنوان بسيط، من نوع تلك اللافتات التي نمر بها يومياً دون انتباه، لكنه هنا يتحول إلى مفارقة قاسية، وهي ان شارع يحمل اسم "العودة" في مدينة لا يمكن لأهلها العودة إليها.
بجانب اللافتة، أوراق ممزقة ملصقة على الجدار، إعلانات مكتوبة بخط اليد، أرقام هواتف، ربما بحثاً عن مفقودين أو عرضاً لبضاعة بسيطة، تفاصيل صغيرة تمنح المكان واقعية موجعة.
حياة توقفت في منتصف يومها
مشهد آخر يعيد بناء محل خبز صغير، "دار الخبز" كما تقول اللافتة الخشبية المعلقة.
رفوف خشبية عليها علب وأدوات متناثرة، منضدة حمراء باهتة، وكل شيء مغطى بغبار الركام.
من خلال فتحة في الجدار الخلفي، تُعرض لقطة فيديو حية لشارع غزي مدمر بالفعل، أعمدة كهرباء منحنية، أسلاك متدلية، ودخان يتصاعد من بعيد.
هذا الدمج بين الديكور المُعاد بناؤه والصورة الحقيقية المسقطة خلفه هو ما يمنح التجربة ثقلها، إذ ان الحدود بين "التمثيل" و"الواقع" تكاد تختفي.
الأثاث الذي بقي وحيداً
في إحدى أكثر الزوايا إيلاماً، أعيد بناء ما يشبه غرفة معيشة كاملة، أريكة صفراء بحشوتها الظاهرة، غسالة ملابس محطمة مائلة، سجادة حمراء تغطي أرضية متربة، وستارة صفراء باهتة تتدلى أمام نافذة مضيئة بلون شمس اصطناعية.
ظلال أطفال تمر خاطفة في الخلفية، يمنحون المشهد حضوراً إنسانياً هشاً وسط الخراب.
وجوه حقيقية
في ركن آخر، ثماني شاشات مرصوصة معاً تعرض صوراً ومقاطع حقيقية من غزة، بين أطفال، نساء يحملن أطفالهن وسط الركام، مخيمات نزوح، ركام منازل.
أسفل الشاشات، عربة أطفال فارغة، دراجة هوائية وردية صغيرة متروكة، وأكوام ملابس بيضاء ملطخة ببقع حمراء، كلها تفصيل رمزي مباشر وقاسٍ يشير إلى الدم دون الحاجة لكلمة واحدة.
صورة أب وابنه
وفي زاوية هادئة قرب نهاية الجولة، تتدلى صورة فوتوغرافية كبيرة لرجل يحمل طفلاً صغيراً بحنان، كلاهما يبتسم.
الصورة معلقة على جدار متصدع، وتحتها كرسي صغير عليه قميص أصفر لطفل ("Skate" مكتوب عليه) وبنطال جينز، وكأن الطفل خلعهما للتو. مروحة قديمة، كيس خيش، ودلو معدني يكتمل بها المشهد.
هذه اللقطة، بحميميتها المفاجئة وسط كل الدمار، هي أكثر ما يبقى في الذاكرة، لأنها تُذكر الزائر أن كل هذا الركام كان يوماً بيتاً لعائلة، لا مجرد مادة عرض.
النائحة والأكفان

من أقوى وأكثر مشاهد المعرض تأثيراً، وربما الأكثر إيلاماً على الإطلاق، مشهد بصري يُعرض داخل فتحة مقتطعة من جدار خرساني متهدم، مصمم كأنه ثقب في جدار منزل مدمر.
داخل هذه الفتحة، عبر تقنية عرض تشبه الهولوجرام، تظهر امرأة مسنة ترتدي حجاباً أبيض وثوباً تقليدياً، ويداها ملطختان بالدماء، وهي ترفع يديها في وضعية نواح وتوجع، ووجهها يعكس ألماً وصراخاً صامتاً.
أمامها مباشرة، وفي المساحة السفلية من نفس الفتحة، يوجد مجسم واقعي لجثة ملفوفة بالكامل بأكفان رمادية اللون، موضوعة فوق الركام، بشكل يحاكي بدقة مشاهد انتشال الشهداء من تحت الأنقاض في غزة.
الزاوية الضيقة والمظلمة التي يُعرض فيها هذا المشهد، وكأنه يُشاهَد من خلال ثقب في جدار، تجعل الزائر يشعر وكأنه يتلصص على لحظة حزن خاصة وشخصية للغاية، لا مشهداً معداً للعرض العام.

الخروج إلى إسطنبول
حين يخرج الزائر من الخيمة، تعود شمس إسطنبول الساطعة، ويظهر خط أفق المدينة ببرج جلاطة في البعد، والحياة اليومية تسير كالمعتاد، بين الباعة، والسياح، والحافلات.
هذا التباين الحاد بين ما بالداخل وما بالخارج هو ربما الرسالة الأعمق للمعرض، إذ أن الحياة تستمر في مكان، بينما تتوقف تماماً في مكان آخر، وأن المسافة بينهما قد لا تتجاوز بضع خطوات من قماش وخرسانة مزيفة.









طائرة مسيّرة تستهدف سفينة قبالة ميناء البصرة النفطي العراقي
عودة حالة التأهب جراء حرائق الغابات في إسبانيا
الجيش الأمريكي يعلن شن ضربات جديدة على إيران





