شروق شكرى
فى قلب القاهرة وتحديدًا منطقة «مصر الجديدة»، يقف مبنى غامض لونه بلون الدم المحروق، مبنى بمثابة صندوق أسود مليء بالأسرار والقصص التى لم يجد لها أحد تفسيرًا إلى اليوم..
القصر الذى شُيد ليكون تحفة معمارية أصبح فجأة لغزًا كبيرًا يتحدى كل قوانين العقل والمنطق، وكأن جدرانه تحمل خلفها سرًا لا يجرؤ أحد على كشفه..
إنه قصر البارون. إذا كان هذا المبنى يعتبر صندوقًا أسود، فمن الرجل الذى بناه ليضع أسراره داخل هذا الصندوق؟
هنا تبرز صورة المهندس «إدوارد إمبان البارون» الملياردير البلجيكى المعروف بـ»البارون»، الذى جاء ليصنع من صحراء هيليوبوليس «مصر الجديدة» مدينة عالمية. وصل البارون إلى مصر عام 1904، ولكنه لم يمر عليها مرور الكرام، بل وقع فى حبها وفُتن بحضارتها، وكان من المتيمين بالآثار المصرية، وكما يوثق المؤرخ الراحل د.يونان لبيب رزق فى موسوعته الشهيرة «ديوان الحياة المعاصرة»، فقد أراد البارون البقاء فى مصر حتى إنه أوصى بأن يُدفن فى ترابها.
ومن هنا جاءت فكرة بناء قصر له فى القاهرة، وبالفعل صمم له المهندس الفرنسى «ألكسندر مارسيل» قصرًا يدمج بين معابد الهند وكمبوديا.
وهو ما يصفه الأثريون، مثل د. محمد الكحلاوى فى دراسته العمارة فى مصر الجديدة، بأنه طراز فريد يجمع بين الفن والخرسانة المسلحة التى كانت حديثة العهد وقتها، مشيدا ببراعة تصميم القصر، وتذكر الوثائق التاريخية لشركة سكك حديد مصر الجديدة (هيليوبوليس) أن البارون استلهم التماثيل الخارجيّة من معبد «أنكور وات» فى كمبوديا ومعابد أوريسا فى الهند، فجلب تماثيل «بوذا» وأفيالًا هندية وتنانين خرافية لتكون حراسًا صامتين على واجهة القصر، مما خلق حالة من الرهبة لدى المصريين الذين رأوا فى هذه الرموز «طلاسم» لعالم آخر لم يعتادوه.
سر التروس الغامضة
ولكن هل عشق البارون للشمس هو ما دفعه لتصميم القصر بقاعدة دائرية ضخمة بمحرك تروس تحت الأرض ليدير القصر دورة كاملة كل ساعة لتظل غرفة نوم البارون مواجهة للشمس من الشروق للغروب؟ هل كان الحجر يطارد الشمس؟ لكن لماذا توقفت تلك التروس فجأة؟ هنا تبدأ فصول الرعب الحقيقية التى لا ترويها كتب التاريخ.
رغم أن العلم ينفى وجود هذا المحرك الضخم تحت الأرض، إلا أن عبقرية التصميم جعلت الجميع يصدقون ذلك. وفى هذا السياق، يؤكد الدكتور جمال عبد الرحيم أستاذ الآثار الإسلامية والقبطية بكلية الآثار جامعة القاهرة، فى تصريح للجريدة أن قصة دوران القصر ووجود تروس هى محض خرافة وفانتازيا شعبية لا أساس لها من الصحة هندسيًا أو تاريخيًا، وأن المعمارى مارسيل اعتمد فقط على زوايا هندسية ذكية تسهم فى دخول الشمس لكل الغرف طوال النهار.
أساطير الرعب
ومن هنا اندلعت أساطير الرعب داخل القصر، حيث يروى العابرون فى ليالى القاهرة الساكنة وبعض زوار القصر من عامة الشعب عن أنوار زرقاء تنبعث من القبو دون مبرر، وعن أصوات اصطدام التروس التى توقفت منذ عقود. يقول أيضًا المغامرون الذين تسللوا للقصر فى سنوات هجره، إنهم شموا رائحة «بخور هندية» نفاذة فى القبو، وسمعوا أصوات خبط منتظم يشبه دقات القلب، وكأن القصر لا يزال ينبض بالحياة رغم موت صاحبه.
ولكن هنا «يقطع سيف العلم دابر الخرافة».. حيث أوضح الدكتور جمال عبد الرحيم وهو أحد المكلفين بعميلة ترميم هذا القصر من قِبل وزارة السياحة والآثار أن كل ما أُشيع عن الأنوار الزرقاء، رائحة البخور، أو الأشباح، هى قصص مفبركة وخرافات نسجها الخيال الشعبى بفعل سنوات الهجر والإهمال التى تعرض لها القصر، مؤكدًا أنه كان أحد المشاركين فى إنقاذ وترميم هذا القصر ولم يشهد يومًا أى واقعة تؤيد هذه الأقاويل.
مقر لـ «عبدة الشيطان»
فى عام 1997، ضجت الصحف المصرية بخبر اقتحام مجموعة من الشباب ينتمون لعائلات ثرية للقصر المهجور. الخبر لم يكن مجرد اقتحام لمكان أثري، بل ارتبط بطقوس غريبة «موسيقى غامضة فزع منها جيران منطقة مصر الجديدة ليلًا»، و»أنوار غريبة» بالرغم من أن القصر فى تلك الفترة لم تكن قد وصلت إليه الكهرباء. غطت الصحافة المصرية والعربية موسعا تفاصيل القضية حيث تبيّن أن هؤلاء الشباب كانوا يرتدون ملابس سوداء، ويرسمون رموزًا غريبة، واختاروا «قصر البارون» بالذات لاعتقادهم أن الهالة الأسطورية واللعنة المحيطة به توفر طاقة روحانية لممارسة طقوسهم الصاخبة.
وفى النهاية، الرعب الحقيقى فى قصر البارون ليس فى وجود أشباح، بل فى الزمن الذى توقف؛ عندما تدخل القصر ستشعر أنك انفصلت عن ضجيج القاهرة ودخلت فى فقاعة زمنية. ورغم ترميمه فى السنوات الأخيرة من قبل الدولة وافتتاحه رسميًا للجمهور، إلا أن الزوار لا يزالون يشعرون بتلك «القشعريرة» المفاجئة عند صعود السلم الحلزوني، وكأن هواء القصر يرفض أن يكون دافئًا.

حلم المعلمين تحقق| مستشفى الشرقية يخرج إلى النور بعد 40 عاما
الأقصر تعيد رسم خريطة السفر| وصلة جديدة بين القاهرة وأسوان تخفف الضغط على الطرق
سوق وظائف جديدة| ليس بنكًا.. لكنه يصنع آلاف فرص العمل





