توظيف المراهقين يقتحم «جروبات الماميز»

نصائح المذاكرة والدروس الخصوصية
نصائح المذاكرة والدروس الخصوصية


نجوى الفضالى

الخبراء: استثمار بشرى طويل الأجل.. وعلاج لـ«اكتئاب الفراغ» 

 

بينما كان الهدف التقليدى لجروبات الأمهات هو تبادل نصائح المذاكرة والدروس الخصوصية، تحول النقاش فى الصيف إلى «بورصة توظيف للطلبّة»

تقول نجلاء محمود (أم لطالب فى الصف الأول الثانوي): «ابنى أصر هذا الصيف على العمل مثل اصدقائه ،فى البداية رفعت شعار الرفض التام فنحن والحمد لله لا نحتاج للمال وخوفا عليه من أى مؤثرات خارجية فى الشارع لكنه قال لى (أنا مش صغير وعايز أصرف من مجهودى). دخلت على جروب الماميز الخاص بالمدرسة لأسأل الأمهات عن تجاربهن، وفوجئت بكم هائل من المنشورات المشابهة، لكنى أرى أن الأزمة ليست فى رغبتهم بالعمل، الأزمة فى إيجاد مكان آمن لا يتعرضون فيه للاستغلال أوالتعرف على اصدقاء السوء وايضا أخشى فكرة وجود نقود زائدة قد لا أعرفها. 
أما مروة دياب (والدة طالبة بمرحلة الشهادة الإعدادية) فترى الأمر من زاوية أخرى حيث تقول:»السوشيال ميديا جعلت الأولاد منفتحين على فكرة الاستقلال المالى مبكرًا. بنتى تريد العمل فى مصنع حلويات قريب أو محل ملابس، وأنا متخوفة من فكرة الاختلاط أو أن تقع فى يد صاحب عمل غير أمين، لذلك نستعين بـ (جروبات الماميز ) لترشيح أماكن موثوقة جربتها أمهات أخريات».

وبين المحال والكافيهات انتقلنا فى جولة بين صغار الشباب من العاملين فى الصيف 

زياد (16 سنة - طالب ثانوى) يروى حكايته الخاصة قائلا: «الجلوس أمام الألعاب الإلكترونية طوال الصيف أصبح مملًا، نزلت للعمل فى (محل ملابس شهير) لمساعدة نفسى فى شراء هاتف جديد، كما أن العمل يعطينى «برستيج « وسط أصدقائى، وشعور أننى مسؤول عن نفسى لا يقدر بثمن».

فريدة (15 سنة - طالبة) تحكى: «أعمل فى تنظيم وتلخيص الكتب والمساعدة الإدارية فى حضانة للأطفال قريبة من منزلى وتضيف أمى كانت خائفة جداً، لكننى أقنعتها أن هذا أفضل من تضييع الوقت على تيك توك، كما أننى أتعلم كيف أتعامل مع الناس كما أن عملى فى الحضانه مناسب لى كفتاة ولم توافق والدتى إلا بعد أن اطمأنت على طبيعة العمل والمحيطين بى وأفكر جديا فى الاستمرار بالعمل فى وقت الدراسة مع تنظيم الوقت».
وحول الظاهرة يرى د. أبو بكر الديب استاذ الاقتصاد انه من منظور اقتصادى لا ينبغى النظر إلى عمل طلاب المدارس خلال الإجازات الصيفية بإعتباره مجرد وسيلة للحصول على دخل مؤقت وإنما بإعتباره استثمارا طويل الأجل فى تكوين رأس المال البشرى الذى يمثل الثروة الحقيقية لأى اقتصاد حديث وتحول اجتماعى واعٍ نحو بناء شخصيات قادرة على مواجهة مستجدات العصر، فالدول التى نجحت فى بناء اقتصادات تنافسية لم تعتمد فقط على التعليم الأكاديمى وإنما عملت على دمج الخبرة العملية المبكرة مع العملية التعليمية بما يخلق جيلا أكثر استعدادا للإنتاج وأكثر فهما لآليات السوق وأكثر قدرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية المتسارعة لأن سوق العمل لم يعد يقيس قيمة الفرد بما يحمله من شهادات فقط بل بما يمتلكه من مهارات وخبرات وسلوكيات مهنية اكتسبها عبر التجربة المباشرة.

مضيفاً أنه عندما يعمل الطالب خلال الإجازة الصيفية فإنه يكتشف للمرة الأولى العلاقة الحقيقية بين الجهد والعائد وهى العلاقة التى تشكل أحد أهم أسس الاقتصاد الإنتاجى فالمال الذى يحصل عليه بعد ساعات من العمل يختلف تماما عن المصروف الذى تمنحه الأسرة لأنه يدرك أن كل وحدة نقدية تمثل وقتا وجهدا والتزاما وهو إدراك اقتصادى مبكر ينعكس لاحقا على أنماط الاستهلاك والادخار والاستثمار ويجعله أكثر عقلانية فى اتخاذ قراراته المالية وأكثر قدرة على مقاومة ثقافة الإنفاق العشوائى التى أصبحت إحدى سمات المجتمعات الاستهلاكية، يضيف د. أبو بكر أن هذه الصورة الإيجابية لا تعنى غياب المخاطر لأن الاستقلال المالى الجزئى حتى وإن كان محدودا قد يخلق لدى بعض المراهقين تصورا اقتصاديا غير مكتمل عن طبيعة تكوين الثروة فقد يعتقد أن الدخل السريع الذى يحصل عليه من الأعمال الموسمية يمثل بديلا كافيا عن الاستثمار فى التعليم واكتساب المهارات المتقدمة وهو تصور قد يدفعه إلى التقليل من قيمة الدراسة باعتبارها استثمارا طويل الأجل مقابل إغراء العائد النقدى الفورى وهنا تظهر واحدة من أهم المفارقات الاقتصادية وهى أن المكسب القريب قد يتحول إلى خسارة مستقبلية إذا أدى إلى تراجع الاستثمار فى التعليم الذى يظل أعلى الأصول الاقتصادية عائدا على مدى الحياة.

كما أن دخول الأبناء إلى سوق العمل فى سن صغيرة دون إطار تربوى واضح قد يؤدى إلى تشكل عقلية اقتصادية قصيرة المدى تركز على تحقيق الدخل المباشر أكثر من بناء القيمة المضافة وهى عقلية قد تؤثر لاحقا فى اختياراتهم المهنية فيفضلون الوظائف ذات العائد السريع حتى وإن كانت محدودة التطور على المسارات التى تحتاج إلى سنوات من التأهيل لكنها تمنحهم مستقبلا اقتصاديا أكثر استقرارا وإنتاجية ولذلك فإن التحدى الحقيقى لا يكمن فى العمل نفسه وإنما فى الرسالة الاقتصادية التى تصاحب هذه التجربة.

الدعم المالى الذاتى

ويرى د.رشاد عبده الخبير الاقتصادى أن نزول الأبناء للعمل فى الإجازة الصيفية يُحدث حالة من «الدعم المالى الذاتى» داخل الأسرة. ففى ظل الارتفاع العالمى لأسعار السلع والخدمات، مع زيادة تطلعات الشباب ،تصبح مصاريف المراهقين والشباب (من شراء ملابس، هواتف، أو حتى الخروج مع الأصدقاء) عبئاً ثقيلاً. عندما يتكفل الطالب بهذه المصاريف من دخله الخاص، فهو يرفع حرجاً مالياً كبيراً عن كاهل رب الأسرة، ويعيد توجيه فائض الميزانية العائلية نحو الأولويات الأساسية كالغذاء والصحة والتعليم الأساسى.

ويضيف د.رشاد أن نزول الطالب للعمل فى سن الـ 15 أو 16 عاماً يمنحه ميزة تنافسية مبكرة جداً. هو يتعلم مهارات البيع، خدمة العملاء، الالتزام بالمواعيد، والتعامل مع التدفقات النقدية. هذا الطالب عندما يتخرج من الجامعة لن يواجه صدمة اقتصادية تدعى (البطالة الاحتكاكية) التى يمر بها الخريج التقليدى الذى يرى الشارع لأول مرة بعد المؤهل العالى. إنه يدخل سوق العمل كـ 'منتج جاهز' لا يحتاج تدريباً طويلاً.كما أن الشباب فى هذه السن يمثلون فئة استهلاكية مرنة ونشطة للغاية. الأموال التى يتقاضاها الطلاب من أعمالهم الصيفية لا تذهب فى الغالب للادخار الطويل الأجل، بل تُضخ فوراً فى الأسواق (شراء أجهزة إلكترونية فى الغالب تليفونات، اشتراكات فى دورات تدريبية، ارتياد أماكن ترفيهية، ملابس). هذا الإنفاق السريع يعمل على تنشيط حركة التجارة الداخلية، ويحرك عجلة مبيعات قطاعات التجزئة والخدمات التى تعتمد بشكل كبير على القوة الشرائية للشباب.

وأكد د. عبده أنه من المنظور الاقتصادى البحتى، يمثل ملايين الطلاب فى فترة الصيف «قوة عمل معطلة» أو طاقة بشرية مهدرة ومستهلكة للطاقة (كهرباء، إنترنت، وموارد منزلية) دون إنتاج. تحويل هذه الكتلة البشرية إلى قوة عاملة مؤقتة يرفع من القيمة الاقتصادية المضافة، ويسد العجز الموسمى فى العمالة ببعض القطاعات (مثل السياحة، والمطاعم، والتجارة، والتعبئة والتغليف) التى يزداد عليها الطلب بشكل جنونى فى فترة الصيف، ورغم كل هذه المزايا، يضع د. عبده خطاً فاصلاً بين «التدريب والعمل الصيفى البناء» وبين «عمالة الأطفال والقهر الاقتصادى».ويشدد على ضرورة وجود رقابة تضمن عدم استغلال أصحاب العمل لهؤلاء الصغار عبر إعطائهم أجوراً زهيدة جداً لا تتناسب مع ساعات عملهم (تُعرف اقتصادياً بـ «سخرة المقابل المتدنى»)، مستغلين عدم وعيهم بحقوقهم المادية فالهدف الاقتصادى هو بناء «عقلية إنتاجية» للمستقبل، وليس توفير عمالة رخيصة ومستغَلة لبعض الشركات والمحلات مما يشعر الشاب الصغير بالقهر لضياع مجهوده دون جدوى 

علاج اكتئاب الفراغ 

وتؤكد د. إيمان عبد الله الاستشارية النفسية، أن هذه الظاهرة صحية للغاية من الناحية النفسية لأن العمل الصيفى للمراهقين هو أفضل علاج لـ (اكتئاب الفراغ). المراهقة هى مرحلة البحث عن الهوية والاستقلالية. عندما ينزل الشاب الصغير لسوق العمل، يرتفع لديه تقدير الذات (Self-esteem)، ويتعلم مهارة حل المشكلات والتفاوض، ويخرج من قوقعة الحماية الزائدة التى يفرضها الآباء» ومهارات أخرى مثل تكنيك التعامل مع النقود. 

كما تؤكد ضرورة الحذر من الاحتراق النفسى فالصيف مساحة للراحة أيضاً؛ لذا يجب ألا يستغرق العمل الإجازة كلها، بل يترك وقتا للراحة الأسرية والترفيه ليبدأ بطاقة نشاط جديدة مع بداية الدراسة 

روشتة امان 

تضع د. هدى زكريا أستاذة علم الاجتماع روشتة امان نفسية وتؤكد ضرورة الاختيار المشترك مضيفة نصائح للأمهات :لا تفرضى عليه مكاناً، ولا تتركيه يختار بحرية مطلقة. يجب أن يتوافق العمل مع اهتماماته وعمره ،على الأم التأكد من طبيعة المكان وأصحابه وساعات العمل (يفضل ألا تزيد على 6 ساعات للصغار)، مع إعطائه مساحة ليتصرف بنفسه ، مؤكدة على ضرورة دعم الصغار من خلال تزويدهم بالأفكار المستوحاة من التجارب الحياتية للوالدين 
وتضيف د.هدى أنه يجب تعليم الطفل كيف يدخر هذا المال أو يستثمره، وليس فقط إنفاقه على الرفاهيات، ليدرك القيمة الحقيقية للمال، ويجب على الأهل ترك القرار النهائى للأبناء ليخوضوا التجربة ويشعروا بحرية التصرف. وفى الغالب، سيحافظ هؤلاء الشباب على أموالهم بدافع ذاتى، لأنهم حصلوا عليها بعد جهد وعرق وتعب، ولم تأتِ كمجرد مصروف سهل يحصلون عليه من والديهم بلا عناء.

النموذج الأمريكى

واستشهدت د. هدى زكريا أستاذة علم الاجتماع بالنموذج الغربى قائلة: «هذه الثقافة منتشرة بكثرة وبشكل طبيعى فى الولايات المتحدة الأمريكية؛ فخلال زياراتى هناك كنت أفاجأ بطلاب فى المرحلتين الإعدادية والثانوية يعملون كبائعى جرائد فى الصباح الباكر، ثم يتوجهون إلى قاعات الدراسة بعد الثامنة صباحاً. وحتى على مستوى الجامعة، تجد الطالب ينهى محاضراته ويتوجه مباشرة للعمل كـ (جرسون) فى كافتيريا الجامعة نفسها. العمل هناك ثقافة حياة وشغل لوقت الفراغ ممتد طوال العام وليس مجرد نشاط صيفى، وهو ما يمنح الشباب بعد التخرج مرونة فائقة وقدرة عالية على التكيف مع مختلف أنواع ومجالات العمل».

إن عمل الشباب الصغير فى الصيف هو بمثابة «بداية مشروع إنسانى متكامل» يهدف إلى بناء جيل ناضج وناجح اقتصادياً وحياتياً.لذا فإن انشغال المراهق بالعمل الجاد خلال العطلة الصيفية ينأى به تماماً عن الوقوع فى فخ الفراغ، والكسل، والانسياق وراء رفقاء السوء، وتعلمه الاعتماد على النفس والاستقلال المؤقت وهى أيضا حجر الأساس لبناء شخصية تعتمد على ذاتها؛ حيث يبدأ الشاب الصغير فى الشعور بالاستقلال المادى، حتى وإن كان هذا الاستقلال محدوداً ومؤقتاً وينتهى بمجرد العودة إلى مقاعد الدراسة.