عمر الشريف
كانت أمنيتى وحُلم حياتى أن أصبح ممثلًا، أساتذتى نصحونى بالتركيز فى دراسة الرياضيات لأننى موهوب فيها، مع أنهم يعرفون أننى أعشق التمثيل، وكانت أسرتى تتجاهل محبتى للهوية التى أرغبها، وأمام تسلط أبى وعدم اعترافه بالفن تابعتُ دراستى، وتقدَّمتُ لامتحان الجزء الأول من شهادة البكالوريا، ثم الجزء الثانى، وكان على أوراق الامتحان أن تطير إلى إنجلترا لتُعتمَد من جامعة أوكسفورد، حتى أستطيع إكمال دراستى فى الجامعات الإنجليزية، وحصلتُ على درجاتٍ تؤهلنى لمواصلة الدراسة فى بريطانيا، لكن كان عندى شعور بعدم الرغبة فى تكملة التعليم، وبعدها بعامَين كوَّنتُ أول فريقٍ مسرحى برئاستى من الهواة، واخترتُ روايةً للمؤلف الفرنسى الكبير جان أنوي، لتكون أوَّل أعمالنا، ولم أختر رواية كلاسيكية لراسين أو موليير لضعف رصيد الفريق المادى!
وأذكر أن والدي، فى عيد ميلادى السادس عشر، أهدانى سيارةً جديدةً، ودار على المقاهى التى اعتدتُ السهر فيها ودفع جميع ديوني، ولو طلبتُ منه مبلغًا صغيرًا لدعم فرقتى المسرحية لما استجاب؛ كان يرى فى الفن يدَ ماردٍ غريب، سوف يختطف منه ابنه الوحيد، عماده مستقبلًا، فى تجارة الأخشاب! ولهذا اكتفيتُ من الروايات بأبسطها كلفة، ولجأتُ إلى الهواة من تلاميذ مدارس الفرير والجيزويت لأكون من أبرعهم، فكنتُ أدير الإنتاج، وأخُرج الروايات، وكنتُ البطل، ويبدو أن وسامتي، كان لها الفضل فى انطلاقتى الأولى؛ فقد بدأتُ ألاحظ اهتمام البنات بي، وإعجاب الزملاء بأدائى، وكنتُ أتدرب مع فريقى فى الغرف الخالية من بيوت الأصدقاء، والبروفات النهائية تتم فى إحدى قاعات المسرح الجامعية التى كنا نستأجرها أيضًا لتقديم الرواية لثلاث حفلات، لأن عدد الجماهير المتذوقة للفن الفرنسى فى القاهرة، كان قليلًا.
وأذكُر أننى دعوتُ مسيو كوف دى مورفيل سفير فرنسا فى مصر لحفل افتتاح مسرحيتنا «أوربيديس»، وهنَّأنى السفير فى فترة الاستراحة بجدارة، وشعر والدى بالزهو، لكنه تذكَّر تجارة الأخشاب فجأة، فسحب حماسه لمواصلة طريقى فى الفن، وفى الثامنة عشرة دخلتُ دنيا العمل وفقًا للتقاليد التى كانت تنص على أن الابن يعمل فى مهنة أبيه الناجحة والمربحة، وكعادتى جعلتُ أمى واسطتى وأنا أقول لها «أمى أنا لا أحب مزاولة الأعمال التجارية. أريد أن أكمل دراستى فى لندن»، فانحازت إلى جانبي، وقالت: «سوف أفاتحه وأقنعه فماذا تريد أن تدرس فى لندن؟»، وكان ردى «المسرح»، نظرت أمى لى وبدا فى عينَيها اليأس وهى تقول: «أنا لا أمانع فى أن تحترف التمثيل، لكنى لا أستطيع إقناع والدك فى هذا الموضوع، لن يقبل أن يكون ابنه الوحيد مهرجًا متجولًا»!
وضعتُ على كتفى معطفًا أبيض، ونزلتُ إلى متجر أبي! وبدأت المرحلة بدرسٍ طويل ومبسَّط منه، حاول به أن يفسِّر لى الفوارق بين أنواع الخشب والأنواع الأخرى، وأن تتعوِّد عينى على قياس الألواح بالنظر، وشرح لى أساس التجارة «أن تبيع بأحد عشر قرشًا ما تشتريه بعشرة»، ولم أجد متعةً فى هذا العمل، ولكنى كنت أبيع بالخسارة والأجل إلى أن قال لى أبى أنت فاشل فى التجارة أنت تريد أن تكون مهرجاً متجولاً ! ولم يكن أبى يدرى أو يتوقع أنه سيأتى اليوم الذى تقف فيه الناس تحت المطر فى طابور طويل لشراء تذكرة لفيلمى العالمى الأول «لورانس العرب».
■ كنوز: فى ذكرى غياب عمر الشريف الحادية عشرة، ننشر هذا الجزء من مذكراته التى حملت عنوان «الرجل الخالد» وانفردت بها الصحفية الفرنسية «مارى تيريز» وترجمها الناقد الراحل مجدى فهمى.


كنوز| سفاح كرموز القادم من الصعيد يثير الرعب فى الإسكندرية !
كنوز| «العقاد» يمتحن نائبًا عام 1930 فى القراءة والكتابة !
كنوز| رحيل عازف «تشيللو» فرقة «الست»





