لم تكن قلعة صلاح الدين الأيوبي مجرد حصن عسكري أو مقر للحكم، بل كانت شاهدة على أهم محطات التاريخ المصري عبر أكثر من ثمانية قرون.
وبين أسوارها الشاهقة وأبراجها المنيعة، تختبئ واحدة من أكثر الحكايات إثارة، وهي زنازين سجن القلعة التي احتجزت داخلها سلاطين ووزراء وثوارًا ورؤساء ودعاة، قبل أن تتحول اليوم إلى متحف يروي للزائرين جانبًا من تاريخ مصر السياسي.
وتحتل قلعة صلاح الدين الأيوبي مكانة مميزة في سلسلة الآثار المصرية، ليس فقط لما تتمتع به من قيمة معمارية وعسكرية، ولكن لأنها كانت شاهد عيان على أحداث صنعت تاريخ البلاد منذ إنشائها في القرن الثاني عشر الميلادي وحتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، وبين أروقتها ظل سجن القلعة واحدًا من أشهر السجون في مصر، قبل أن يتحول إلى متحف مفتوح يوثق تلك الحقبة.
ورغم أن القلعة عرفت أماكن للحبس منذ العصرين الأيوبي والمملوكي، فإن السجن الحالي يعود إلى عام 1874، عندما قرر الخديوي إسماعيل نقل مقر الحكم من القلعة إلى قصر عابدين، فأصدر قرارًا بإنشاء سجن جديد داخل القلعة في المنطقة الواقعة بين الردم وجامع محمد علي، وكان مخصصًا في بدايته لاحتجاز الأجانب.
وبعد وفاة الخديوي إسماعيل، أصدر الخديوي توفيق قرارًا بتوسعة السجن لاستيعاب أعداد أكبر من النزلاء، ثم جاءت مرحلة جديدة عقب ثورة 23 يوليو 1952، عندما تسلم البوليس الحربي إدارة السجن، وأصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارًا جمهوريا بإعادة توسعته ليتناسب مع المتغيرات الأمنية في تلك الفترة.
وظل السجن يؤدي دوره حتى صدر قرار في عهد الرئيس محمد حسني مبارك بتحويله إلى متحف يتبع وزارة الثقافة، ليصبح شاهدًا على مرحلة مهمة من التاريخ المصري.
ويضم السجن 42 زنزانة موزعة على قطاعين، شرقي وغربي، يتوسطهما ممر يبلغ طوله نحو 50 مترًا، وعلى جانبيه 21 زنزانة في كل قطاع. وتتميز الزنازين بتصميمها البسيط؛ إذ تحتوي كل منها على سريرين، ونافذة صغيرة مرتفعة يصل ارتفاعها إلى نحو 2.5 متر مزودة بقضبان حديدية، إضافة إلى باب حديدي ثقيل يغلق من الخارج تتوسطه فتحة صغيرة لمراقبة السجين، كما يضم السجن مطبخًا ودورات مياه كانت تخدم النزلاء.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن القلعة عرفت أكثر من سجن عبر العصور، أشهرها "الجب الكبير"، وهو حفرة عميقة تحت سطح الأرض تشبه البئر، كان السجناء يُنزلون إليها بواسطة سلالم ثم يغلق عليهم بابها الحديدي، وقد ذكره عدد من المؤرخين، وكان يقع بجوار جامع سليمان باشا الخادم في الجهة الشمالية من القلعة، ويعد من أقدم أماكن الاحتجاز داخلها.
ولم يكن سجن القلعة مجرد مكان لتنفيذ العقوبات، بل ارتبط بأحداث سياسية مفصلية، حيث مر به عدد كبير من الشخصيات التي لعبت أدوارًا مؤثرة في تاريخ مصر الحديث. ومن أشهرهم الرئيس الراحل أنور السادات، الذي تعرض للاعتقال خلال أربعينيات القرن الماضي على خلفية نشاطه الوطني ضد الاحتلال البريطاني، وتنقل بين عدة سجون كان من بينها سجن القلعة قبل قيام ثورة يوليو.
كما ارتبطت الزنازين أيضًا باسم الداعية الإسلامي الشيخ عبد الحميد كشك، الذي تعرض للاعتقال أكثر من مرة خلال سبعينيات القرن الماضي، وأصبح سجن القلعة أحد الأماكن التي ارتبطت بذكريات تلك المرحلة السياسية.
وتحول السجن بعد ذلك إلى متحف يحافظ على تفاصيل تلك الحقبة، حيث يضم عددًا من الغرف التي أعيد تجسيدها باستخدام تماثيل الشمع، لتوضيح طبيعة الحياة داخل السجن وأساليب التحقيق التي كانت متبعة آنذاك. ومن أشهر هذه الغرف غرفة "الحلقات" التي صممها المهندس الفرنسي لوميان عام 1932 في عهد الملك فؤاد الأول، مستوحاة من إحدى غرف التعذيب في سجن الباستيل الفرنسي، وكانت تستخدم كوسيلة للضغط على السجناء وانتزاع الاعترافات.
واليوم، يقف متحف سجن القلعة شاهدًا على صفحات متباينة من تاريخ مصر، فلا يروي فقط قصة السجن، بل يوثق تحولات الدولة المصرية عبر عصور مختلفة، ويكشف للزائر جانبًا من التاريخ السياسي والاجتماعي الذي شهدته البلاد داخل أسوار قلعة صلاح الدين، أحد أهم المعالم التاريخية في العالم الإسلامي، لتظل الزنازين شاهدة على حكايات لم تُكتب جميعها في صفحات الكتب، لكنها بقيت محفورة بين جدران الحجر العتيق.




ذاكرة ألف عام.. حكاية مدينة كتبت التاريخ
خاص| محاكاة ساخرة.. أطفال إندونيسيا يكشفون كواليس مشهد أنصف الفراعنة وهزم الفيفا
ضريح محمد بن أبي بكر الصديق.. لغز قبر حير المؤرخين عبر القرون





