بعد أن ظل لعقود طويلة جزءا ثابت من مشهد القارة القطبية الجنوبية، انتهت رحلة جبل الجليد العملاق A23a، الذي يعد واحدا من أكبر الجبال الجليدية التي عرفها العالم، فقد تفتتت آخر أجزائه واختفت من صور الأقمار الصناعية، ليطوي بذلك صفحة استثنائية امتدت لنحو 40 عامًا من الصمود وسط أقسى الظروف الطبيعية على كوكب الأرض.
لم يكن A23a مجرد كتلة ضخمة من الجليد تطفو في المحيط، بل كان ظاهرة علمية فريدة تابعها الباحثون لسنوات طويلة، إذ قدم لهم فرصة نادرة لدراسة حركة الجليد القطبي، وتأثير تغيرات المناخ، ودور الجبال الجليدية في النظام البيئي للمحيطات.
اقر أ أيضًا | لماذا يتدفق «شلال الدم» في القارة القطبية الجنوبية باللون الأحمر؟
عملاق جليدي بحجم يفوق الخيال
بدأت قصة A23a عام 1986، عندما انفصل عن جرف فيلشنر الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، وكان حينها يغطي مساحة تقدر بنحو 3500 كيلومتر مربع، وهي مساحة تفوق حجم بعض الدول والمناطق المعروفة؛ إذ كانت أكبر من مساحة غوا الهندية، وتقارب ضعف مساحة لندن، وتبلغ نحو ثلاثة أضعاف مساحة مدينة نيويورك.
وقدر العلماء وزن الجبل الجليدي وقت انفصاله بما يقارب تريليون طن، وهو حجم هائل يصعب تخيله، حتى إن مساحته كانت تسمح بامتداد طرق عبر مدن كاملة دون أن يتمكن الشخص من عبوره من طرف إلى آخر بسهولة.
ثلاثة عقود بلا حركة تقريبًا
رغم حجمه الضخم، لم يبدأ A23a رحلة الانجراف فور انفصاله، إذ ظل عالقًا في قاع بحر ويديل لما يقرب من 30 عامًا، وكأنه مثبت في مكانه داخل المحيط.
وخلال تلك الفترة، تغير العالم من حوله، بينما بقي الجبل الجليدي ثابتًا تقريبًا، يراقبه العلماء عن بعد ويجمعون البيانات حول حالته.
لكن في عام 2022، حدث التحول الكبير، إذ تحرر A23a من موقعه وبدأ رحلته الأخيرة عبر مياه القطب الجنوبي، لتبدأ مرحلة جديدة من المراقبة العلمية المكثفة.
رحلة امتدت لأكثر من 2300 كيلومتر
بعد تحركه، قطع A23a مسافة تجاوزت 2300 كيلومتر، حيث انجرف عبر مياه المحيط الجنوبي باتجاه جنوب المحيط الأطلسي، وكانت الأقمار الصناعية تتابع تحركاته خطوة بخطوة.
وخلال رحلته، أثار الجبل الجليدي قلق العلماء بعدما اقترب من جزيرة جورجيا الجنوبية، التي تعد موطنًا لمستعمرات ضخمة من البطاريق والفقمات. وكان هناك تخوف من أن يصطدم بالجزيرة ويؤثر على حركة الحيوانات البحرية، لكنه غير مساره قبل الوصول إليها.
ومع استمرار انجرافه شمالًا، بدأت النهاية تقترب، إذ تعرض الجبل الجليدي لمياه أكثر دفئًا، ما أدى إلى تسارع عملية ذوبانه.
نهاية هادئة لعملاق استمر لعقود
لم يختفِ A23a في لحظة واحدة، بل مر بمراحل تدريجية من التفتت. بدأت كتل ضخمة بالانفصال عنه، ثم تحولت إلى أجزاء أصغر، قبل أن تذوب بقاياه داخل مياه المحيط.
وبحلول شهر مارس، تقلص حجمه إلى نحو 170 كيلومترًا مربعًا فقط، بعدما كان يمتد على آلاف الكيلومترات المربعة عند ولادته.
وفي أبريل، التقطت الأقمار الصناعية واحدة من آخر الصور التي أظهرت بقاياه، وبعدها لم يعد هناك جزء كبير بما يكفي لرصده من الفضاء، لتنتهي قصة أحد أشهر عمالقة الجليد في العالم.
لماذا اهتم العلماء بدراسة A23a؟
حظي A23a باهتمام خاص من الباحثين لأنه لم يكن مجرد جبل جليدي عابر، بل كان بمثابة مختبر طبيعي ساعد العلماء على فهم طبيعة القارة القطبية الجنوبية.
ودرس الباحثون كيفية تحركه، وأسباب بقائه عالقًا لعقود، وطريقة تفككه، للحصول على معلومات حول تيارات المحيط، وارتفاع درجات الحرارة، والتغيرات التي تشهدها المناطق القطبية.
كما اقتربت سفن أبحاث من الجبل الجليدي لجمع عينات من المياه المحيطة به، بهدف دراسة تأثير وجوده على البيئة البحرية.
ذوبان الجليد وتأثيره على النظام البيئي
رغم أن اختفاء A23a يمثل نهاية لوجوده كجبل جليدي ضخم، فإن ذوبانه لم يكن بلا تأثير، فالجبال الجليدية تتكون من مياه عذبة، وعند ذوبانها داخل المحيطات المالحة تغير خصائص المياه المحيطة بها.
وتحمل هذه المياه العذبة مواد غذائية تساعد الكائنات البحرية الدقيقة على النمو، وهي بدورها تشكل قاعدة غذائية تعتمد عليها الأسماك والحيتان والبطاريق والعديد من الكائنات البحرية الأخرى.
وبذلك، تحول الجبل الجليدي أثناء ذوبانه من كتلة ضخمة من الجليد إلى جزء من دورة الحياة داخل المحيط.
أربعة عقود شهدت تغير العالم وبقي هو كما هو
ربما لم تكن أهمية A23a في حجمه فقط، بل في مدة بقائه الطويلة، فمنذ انفصاله عام 1986، تغير العالم بشكل هائل؛ ظهرت تقنيات جديدة وتبدلت أنماط الحياة، ونشأت أجيال كاملة، بينما ظل هو صامدًا في القطب الجنوبي.


ذهب لا يتغير.. دراسة تكشف كيف يصنع المعدن النفيس درعه الخاصة ضد الأكسجين
الكمثرى سلاح طبيعي لإزالة السموم وتقليل تراكم الدهون من الكبد
تشقق الطبقة البلاستيكية العازلة.. أخطاء منزلية تؤدي إلى الماس الكهربائي





