منذ أن كانت الثقافة فى مصر جزءًا أصيلًا من مهام «وزارة المعارف» فى بواكير القرن العشرين، كان الهدف الأسمى والغاية الكبرى بناء الإنسان المصرى وتشكيل وعيه الوطنى والفكرى، ومع مرور العقود وتحديدًا منذ إنشاء وزارة مستقلة للثقافة، تحول هذا المبدأ إلى مؤسسة ضخمة تهدف إلى صون التراث ونشر الفنون والآداب، لتصبح «القوة الناعمة» التى تعكس رقى الحضارة المصرية.. غير أن المسيرة بين الأمس واليوم شهدت تحولات كبرى، وأصبحت الوزارة تواجه تحديات تتجاوز «الفعل الثقافى» التقليدى إلى ضرورة الاشتباك مع قضايا العصر الرقمى وتحقيق العدالة الثقافية، وهو ما يطرح تساؤلات ملحة فى الأوساط الثقافية: ماذا يريد المثقفون من وزير الثقافة الجديد؟ وما المواصفات التى يجب أن تتوافر فى هذا المسئول؟ وهل الأفضل أن يأتى من داخل المنظومة الثقافية أم من خارجها؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، استطلعت «الأخبار» آراء شريحة متنوعة من المثقفين والخبراء، لرسم ملامح الوزير المنتظر فى مرحلة تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد إدارة الفعاليات.
رؤى متقاطعة
يطرح المهندس زياد عبد التواب خبير التحول الرقمى، رؤية مغايرة تضع «المواطن الرقمى» فى قلب المعادلة، ويرى أن السؤال عما يريده المثقفون وحدهم من وزير الثقافة هو سؤال «ناقص»، مؤكدًا أن الدائرة يجب أن تتسع لتشمل جميع فئات المجتمع، بما فى ذلك الشباب والأطفال، وصولًا إلى من لا يعرفون القراءة والكتابة.
ويحذر عبد التواب من «فخ الحنين إلى الماضى»، موضحًا أن أدوات الأمس لن تكون مناسبة تمامًا للمستقبل، وداعيًا الوزير إلى التحرر من الانشغال بالأنشطة الفرعية، والتركيز على غايات استراتيجية كبرى، مثل رقمنة المحتوى، وتدشين «خريطة ثقافية» وبنية معلوماتية تمكّن متخذ القرار من رسم السياسات وقياس الأداء بدقة علمية.
وفى السياق ذاته، يلفت الكاتب والمترجم د. أشرف راضى إلى أن الجدل حول الأسماء يصرف الانتباه عن القضية الأساسية، وهى غياب سياسة ثقافية واضحة، مقترحًا أن يتنافس المرشحون بأفكارهم وخططهم، لا بمجرد أسمائهم.
أما الروائى وعضو اتحاد كتاب مصر د. محمد لبيب، فيطرح تصورًا شاملًا لدور الوزارة، معتبرًا أن وزير الثقافة فى العصر الحالى يجب أن يكون «عقلًا هجينًا» يجمع بين المعرفة والإدارة والعلم والفنون، ويفهم التكنولوجيا بقدر فهمه للتراث، مستهدفًا إخراج الثقافة من القاعات المغلقة إلى الشارع والقرى والنجوع.
ومن زاوية أخرى، تؤكد الكاتبة والناقدة الفنية مها متبولى أن الثقافة المصرية تحتاج إلى «ضخ دماء جديدة» تعيد إليها الحيوية، معتبرة أن الوزير القادم يجب أن يمتلك مشروعًا واضحًا يعيد للوزارة أهدافها ورسالتها فى وجدان المصريين، إلى جانب وعى سياسى يواكب التحولات العالمية دون المساس بالهوية الوطنية.. ويرى الكاتب أحمد الدرينى أن الوزير المقبل سيواجه منذ اللحظة الأولى، سقفًا مرتفعًا من التوقعات بعد سنوات تراكمت خلالها حالة من الإحباط واللامبالاة تجاه الوزارة، ويؤكد أن أى اسم سيقع تحت مجهر المثقفين لن يحظى بإجماع، مشيرًا إلى أن نجاح الوزير لن يتوقف على مكانته الثقافية فقط، وإنما على قدرته على الجمع بين الثقافة والإدارة والاندماج فى منظومة الدولة.
الرؤية لا الاسم
رغم اختلاف الآراء بشأن الأفضلية بين أن يأتى الوزير من داخل المنظومة الثقافية أو من خارجها، فإن معظم المثقفين لا ينظرون إلى هذه المسألة باعتبارها العامل الحاسم، فوجود الوزير داخل المؤسسة قد يمنحه خبرة بتحدياتها، لكنه لا يضمن النجاح فى غياب الرؤية، كما أن قدومه من خارجها قد يمثل فرصة لتجديد الأفكار، شريطة امتلاك مشروع حقيقى.
وبقراءة مجمل هذه الآراء، تبدو هناك ملامح شبه متفق عليها للوزير المنتظر: وزير لا يكتفى بإدارة الملفات والفعاليات، بل يمتلك مشروعًا وسياسة ثقافية واضحة؛ يؤمن بأن الثقافة مسئولية مجتمعية وليست نشاطًا للنخبة؛ ويستثمر أدوات العصر والتكنولوجيا للوصول إلى الأجيال الجديدة، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وتحقيق العدالة الثقافية.
ويبقى الرهان الحقيقى فى نظر الجميع، ليس على الاسم الذى سيشغل المنصب، وإنما على قدرة الوزير المقبل على تحويل هذه الرؤى إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، تعيد إلى الثقافة المصرية دورها التاريخى كقوة لصناعة الوعى وبناء المستقبل.

مشهد الطائرة الأصعب فى الفيلم
ليلى علوى: «ابن مين فيهم» كوميديا «من لحم ودم»
مزيكا:«الهضبة» و«تامر» و«حماقى» و«سعد» نجوم «يلا ساحل»





