يكتبها اليوم : عادل ضرغام
هذا الموقف كاشف عن سلوك النخبة المتجاوب مع المبادئ التى يؤمن بها المثقفون، فى مقابل موقف آنى يراكم التناقض .
تأمل حال النخبة المصرية فى اللحظة الآنية، ومقاربة وضعها بين الفاعلية والتأثير من جانب، وتلاشيها وتهافتها من جانب آخر، سوف يوجّهان إلى نتيجة مريرة مملوءة بفقد وغياب كاملين. وسوف يتأكد ذلك إذا رجعنا إلى مدى زمنى بعيد لمعاينة وجودها وفاعليتها فى لحظة ماضية، والوقوف على قدرتها، وتناسق مواقف أصحابها مع أفعالهم بعيدا عن التناقض الحادث اليوم الذى نراقبه، ونحاول تفاديه، أو إرجاء مواجهته، ولكن يبدو أن إرجاء المواجهة خوفا أو طمعا سوف يؤدى إلى نتائج أكثر إيلاما.
الصمت على أفعال هذه النخبة- أو ما يظنون أنفسهم من النخبة- يدفع ممثليها إلى التمادى فى غيّهم وانحرافهم، فنجدهم لا يتخفّون، يل يظهرون فاسدين مفسدين مسطرين حالة من حالات التبجّح القصوى، دون إحساس بالذنب، أو محاولة للمراجعة أو التقييم فضلا عن التقويم الذى أصبح ضروريا، ويجب أن يكون حاضرا فى كل لحظة. سوف أعيدك- لكى تتم المقارنة على نحو خاص- إلى النصف الأول من القرن العشرين، ورئيس الوزراء مختلف حزبيا وسياسيا مع طه حسين، لكنه لم يستطع أن يتجاوزه فى تشكيله للوزارة.
إن هذا الموقف كاشف عن سلوك النخبة المتجاوب مع المبادئ التى يؤمن بها المثقفون، فى مقابل موقف آنى يراكم التناقض، ويوسّع الفجوة بين المبادئ والسلوك الفعلى. وهذه الفجوة لم تحدث بين يوم وليلة، وإنما حدث لها نوع من التكوّن التدريجى فى مقابل التآكل فى سلوك أفراد النخبة وأخلاقياتهم، بداية من الانعزال وعدم الاشتباك والاكتفاء بحياة مريحة لدى بعضهم، ومرورا بالتواطؤ مع المصلحة ضد المبدأ والقيمة، وانتهاء بعدم الأمانة وفقدان المصداقية فى تقديم الرأى أو المشورة.
فجوة الأجيال
يتغيّر شكل النخبة تبعا لسياقها التاريخي، فالنخبة فى النصف الأول من القرن العشرين تختلف عن النخبة فى النصف الأخير، ولا يمكن أن تقاس أو تقارن بشكل النخبة فى اللحظة الآنية. فالنخبة- مثلها الثقافة- تتحرّك من فاعلية إلى جمود، من تمثّل لأخلاق وأفكار الليبرالية إلى تمثّل واشتغال على سلوك التوجهات الأخرى الأصولية، راجع إن أردت سلوك أحد المسئولين وأفعاله- وهو من النخبة فى حال استحضار المكان أو المؤسسة التى يترأسها- وحاول أن تدرك مساحة التشابه بين هذه الأفعال وذلك السلوك مع أساليب الأصوليين وأصحاب الاتجاهات الدينية فى حشد الناس والوصول إلى الهدف.
إن نظرة فاحصة إلى المكافآت المادية والموقعية التى تقدم إلى حلفائه وشيعته وعشيرته المحددة والمشكّلة بدقة، بالإضافة إلى التروّى فى طبيعة النظرة لن تلمح فارقا بين ما سبق وحقائب أو شنط الزيت والسكر والأرز التى كانت توزّع فى لحظات سابقة. سوف يدرك المتأمل أنه أمام نخبة تؤسس ثباتها بالرغم من فداحة الوسيلة بتشابهها مع وسائل الآخرين، بل وتبنى وجودا عنقوديا مشابها، يتسوّل وجوده بالتخفّى والعمل كالخفافيش فى الظلام.
هذا السلوك يتعارض ويتباين مع أسس ومنطلقات النخبة فى صفائها وأصل وجودها، ولا يتساوق مع الشعارات الرنّانة التى صدّعنا بها هؤلاء فى لحظة سابقة، حينما كانوا يحاربون بالتواطؤ نموذجا له قيمته وقدرته، أثبتت الأيام أن وجوده كان مهما للثقافة المصرية، وأن رحيله كان بداية لاشتغال معول الهدم. النخبة بتوالى الأفراد ليست إطارا جاهزا، فهى إطار عام مملوء بخروجات وتشكلات فردية، وهى إطار يتأثر بالسياق الحضارى من جهة، وبالسمات الفردية من جانب آخر. والتكوين الفارق يعتمد على منطلقات مؤسسة، وعلى إضافة تؤسسها السمات الفردية. فليس هناك شك فى صفات جامعة بين أحمد لطفى السيد وطه حسين، ولكن الأخير أعطى مفهوم النخبة إطارا فاعلا ومؤثرا يستند إلى سمات شخصية، فكل جيل يمنح هذا المفهوم وجودا لم يكن متاحا فى لحظة سابقة، يضاف بشكل متوال.
نخبة هشّة
تعانى النخبة اليوم من الكثير من الهشاشة، ومن فقدان الأخلاقيات المؤسسة لفكرة النخبة، ومن فقدان الاتساق بين المعلن والحقيقى الغائر، أو بين القول والسلوك. فبسبب خروجها من القدرة على الفعل والتأثير إلى وقوفها عند مساحة متكلسة، تكتفى بالإيعاز باختيار أو إبعاد شخص لمكان ما أو لوظيفة ذات وجود ثقافى أو لجائزة، بدأت النخبة تتفتت وتبتعد عن حضورها، وهذه أولى بوادر تهافتها، وفقدانها لدورها الطليعى والرائد، لأن هؤلاء غالبا لا يتطوعون بترشيح إلا من يشبههم، فهم خاملون ولن يرشحّوا إلا خاملا مثلهم، يحمل حقائبهم، ويصنع نشيدا أو هتافا لدورهم الغائب.
إن هذا الخامل لن يتحرّك فى كل ردود أفعاله وفق منطلقات مؤسسة للنخب السابقة، لأن لديه شعورا بالنقصان، وهو يحاول أن يسدّ هذا النقصان، ولن يأتى بأناس يكملون هذا النقصان، ويشيرون إليه، بل سيظلّ يبحث عن أناس يمدحون هذا النقصان، ويرونه ميزة. تفقد النخبة فى أية لحظة من اللحظات قيمتها بتدخلها لا لمساعدة الفائقين، وإنما لتسويغ القبول بالخاملين والمدجنين. والتأمل يكشف لنا عن نماذج عديدة سواء كان الأمر يتعلق بالداخل أو الخارج، لأن كل نخبة صنعتها الصدفة ستبحث غالبا عن أشخاص تناسبها، لأن الآخرين الفائقين سيجعلونها فى صراع طويل مقموع غير ظاهر للعيان، لكى تستر عوارها وتهافتها.
فى الثقافة المصرية نجد أنفسنا أمام هذا التكتل السافر، يشكّك المثقفين فى أنفسهم، ويخططون لهم طريقا للمرور، بحيث يبدو الطريق الوحيدة، ولا طريق سواها. ولو حدث- صدفة وخطأ- ودخل واحد ليس منهم إلى منطقة ارتباعهم، فستجد كل هؤلاء الخاملين يتساندون للتخلص منه، وكأن العملة الجيدة لها رنين مقلق يقضّ مضاجعهم. تدخّل النخبة الحالي- إن كانت تستحق دلالة المصطلح- واضح وجلى بشكل يمكن أن يكون سافرا، كما رأينا فى نماذج وجوائز عديدة فى الفترة الآنية القريبة، ويمكن أن يكون واقفا عند الاستشارة غير الأمينة أو المسئولة، والخاسر فى كل ذلك الثقافة المصرية التى تخسر فى كل ذلك جانبا من الجوانب المضيئة.
تناقض الموقف أم غيابه؟
الأمر مع نخبة اللحظة الآنية لم يعد واقفا عند حدود التناقض بين القول والسلوك، ولكن أصبح هناك غياب للموقف المضاد للفساد، فكتلة الفساد لم تعد معنية بمراجعة موقفها أو تقييمه أو تقويمه، وضاعت مع هذه البجاحة ما تبقى من مواقف النخبة، لأنها تمارس فسادها بشكل مقنن، لبسط قليل من المشروعية اللاهثة، ولذر الرماد فى العيون. يمكن أن نراجع- على سبيل المثال- لجان تحكيم الجوائز التى تتكرر وتتعدّل بحرفية لافتة عاما بعد عام، فقد تجد الشخص إما رئيسا وإما عضوا، ومع ذلك لا يخلو الأمر من نكران وجودهم بتبجّح، المهم الوصول بالأمر إلى طريق محدد سلفا للفارغين والمدجنين.
إن هؤلاء لا تتكرّر أسماؤهم لميزة أو لقيمة وازنة فى هذه اللجان، وإنما لصمتها وخنوعها ضد الكتلة التى تتكوّن بالتجاوب من الفاسدين وأصحاب الصوت العالى والتربيطات غير الأخلاقية وبعض دور النشر الكبرى، ويمكن أن أعطى لك نماذج واضحة الدلالة على ذلك. ففى جائزة غير حكومية أعطى أحد المحكمين لخلاف شخصى أحد المتقدمين صفرا بالرغم من قيمة منجزه، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل لم يحضر الاجتماع حتى لا يراجعه أحد، أو يحاول إعادته إلى الصواب، وإبعاده عن شهوة الانتقام غير المبررة، لأن الأمر كان يتعلّق بصراع بين الأساتذة الكبار.
سألت أحد الأساتذة المشهورين فى لحظة من اللحظات عن سبب فوز رواية من الروايات بالجائزة، وهى جائزة مصرية غير حكومية، والكاتبة ليس لديها الإحساس الفائق باللغة وإيقاعها، فضلا عن الأشياء والآليات الأخرى التى يستوجب النوع وجودها. فردّ عليّ قائلا: لقد كان هناك توجّه عام، ولو رفضت أو اعترضت فلن أكون موجودا فى لجنة التحكيم فى العام القادم، وهم يوزعوننى فى مجال من المجالات المتاحة كل عام.
فى ظلّ هذين النموذجين نجد أنفسنا أمام نخبة شائهة، لم يعد لديها قدرة على الفعل والتأثير، وإنما فقدت- فوق ذلك ولأسباب عديدة- الكثير من أخلاقياتها فى النموذج الأول، وفقدت موقفها والقدرة فى الدفاع عنه تحت ضغط الحاجة فى الموقف الأخير. قد تتأثر النخبة بالسياق الحضارى والمادي، وتفقد بعض منطلقاتها المثالية، لكنها- فيما أعتقد- يجب أن تحتمى بالموقف الأخلاقى والدفاع عنه، حتى لا يكون التباين واضحا وصارخا بين ما نصدّره للناس عن أنفسنا وصورتنا، وما نقوم به فى الواقع، ويجب على من يشغلون مناصب ثقافية أن يتحلّوا بشيء من الأخلاق بعيدا عن التدخل السافر فى التأثير على الآخرين .


.. ولا يزال فى الحلم بقية
سلام الشهداء
اطمن على الآخر!





