تتجه الأنظار إلى الاكتشافات الأثرية المتلاحقة في مصر، ولكن لا تزال مواقع تاريخية كبرى تحمل بين طبقاتها كنوزًا لم تُكشف بعد، وفي مقدمتها مدينة منف، أول عاصمة للدولة المصرية الموحدة، التي شكلت لقرون طويلة القلب السياسي والديني والاقتصادي للحضارة المصرية القديمة.
ورغم القيمة التاريخية الاستثنائية للمدينة، فإن أجزاءً واسعة منها لا تزال مطمورة تحت الأرض، بما يجعلها واحدة من أكثر المناطق الأثرية الواعدة في العالم.
- دعوات لإطلاق مشروع تنقيب علمي بميت رهينة
وفي هذا السياق، تتجدد الدعوات لإطلاق مشروع تنقيب علمي متكامل بمنطقة ميت رهينة، يهدف إلى إحياء معبد بتاح والكشف عن معالم العاصمة القديمة، وسط تقديرات أثرية تشير إلى أن غالبية آثار المدينة لم ترَ النور بعد.

ويرى متخصصون أن مثل هذا المشروع لا يقتصر على استعادة صفحات مفقودة من التاريخ المصري، بل يمكن أن يمثل نقلة نوعية في خريطة السياحة الثقافية، ويعيد لمنف مكانتها باعتبارها أحد أهم المراكز الحضارية التي أسست لواحدة من أعرق الحضارات الإنسانية.
وطرح الدكتور إكرامي الساكت، مفتش الآثار وعالم المصريات، مقترحًا لإطلاق مشروع تنقيب علمي شامل في منطقة ميت رهينة، بهدف إحياء معبد بتاح القديم والكشف عن كنوزه الأثرية المدفونة، مؤكدًا أن العاصمة المصرية القديمة "منف" لا تزال تخفي أسرارًا أثرية هائلة، وأن ما تم اكتشافه حتى الآن لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من ثروتها الحضارية، ما يجعلها مؤهلة لتصبح واحدة من أهم المقاصد الأثرية والسياحية في مصر.
- منف صانعة أمجاد الحضارة القديمة
وأكد الدكتور إكرامي الساكت، مفتش الآثار وعالم المصريات، أن مدينة منف، المعروفة حاليًا باسم ميت رهينة بمحافظة الجيزة، كانت أول عاصمة لمصر الموحدة، ومركزًا للحكم والإدارة والسياسة لقرون طويلة، ومنها انطلقت الجيوش المصرية التي صنعت أمجاد الحضارة القديمة، إلا أن هذه المدينة العريقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والكشف العلمي لإبراز قيمتها التاريخية.

وأوضح أن المدينة عُرفت قديمًا باسم «إنب حج» أي «الجدار الأبيض»، ثم أطلق عليها الإغريق اسم ممفيس، الذي اشتُق منه لاحقًا اسم منف، بينما يرجع اسم ميت رهينة إلى التعبير المصري القديم «ميت رهنت»، ويعني «طريق الكباش»، في إشارة إلى الطريق الاحتفالي الذي كان يربط أجزاء المدينة ويشبه في تصميمه طريق الكباش الشهير بالأقصر.
وأشار إلى أن منف كانت مدينة نابضة بالحياة، تضم القصور الملكية والمعابد والورش الصناعية ومساكن كبار الموظفين والحرفيين، وبلغ عدد سكانها في أوج ازدهارها نحو مائة ألف نسمة، وهو رقم كبير بمقاييس ذلك العصر.
- معابد ومنشآت أثرية عملاقة لا تزال مدفونة
وأكد الساكت أن التماثيل الضخمة التي عُثر عليها في ميت رهينة، وعلى رأسها تمثال الملك رمسيس الثاني، تمثل دليلًا واضحًا على وجود معابد ومنشآت أثرية عملاقة لا تزال مدفونة تحت الأرض، لافتًا إلى أن الدراسات تشير إلى أن ما تم الكشف عنه حتى الآن لا يتجاوز 10% فقط من آثار المنطقة، بينما لا يزال نحو 90% ينتظر أعمال الحفائر العلمية.

وأوضح أن تمثال رمسيس الثاني الراقد، الذي أُقيم له متحف خاص عام 1958، كان في الأصل جزءًا من مجموعة التماثيل الضخمة التي كانت تزين واجهة معبد بتاح، وقد اكتشفه المستكشف الإيطالي جيوفاني باتيستا كافيليا عام 1820 في منطقة كوم الربيعة.
وفي هذا السياق، عرض الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، تفاصيل المقترح الذي قدمه الدكتور إكرامي الساكت، والذي يتضمن تنفيذ مشروع لإحياء طريق المواكب والاحتفالات الكبرى الممتد من معبد تحنيط العجل أبيس داخل معبد بتاح حتى منطقة سرابيوم سقارة.
- دراسات تاريخية تكشف أسرار أثرية
وأوضح أن الدراسات التاريخية تشير إلى أن مساحة معبد بتاح ربما كانت تعادل نحو عشرة أضعاف مساحة معابد الكرنك، وأن طريق المواكب كان تحيط به صفوف من تماثيل أبي الهول، سواء برأس إنسان أو رأس كبش، على غرار طريق الكباش بمدينة الأقصر.

وأشار إلى أن عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري اكتشف عام 1912 أحد تماثيل هذا الطريق، والذي نُقل لاحقًا إلى متحف بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا الأمريكية عام 1913، وهو تمثال من الجرانيت الوردي يزن نحو 13 طنًا ويحمل اسم الملك رمسيس الثاني.
اقرأ ايضا| بوابة المتحف المصري الكبير.. كيف عاد الملك رمسيس إلى عرشه؟
وأضاف الدكتور عبد الرحيم ريحان أن معبد بتاح كان يضم عددًا كبيرًا من المنشآت الدينية، من بينها مقاصير للإلهة سخمت وحتحور، ومعبد للتحنيط، ومقصورة الملك سيتي الأول، فضلًا عن مقابر كبار الكهنة، وهو ما يعكس ضخامة المجمع الديني الذي كانت تمثله المدينة.
- النطاق الأثري لمعبد بتاح
وأوضح أن النطاق الأثري لمعبد بتاح يشمل عدة تلال ومناطق أثرية، منها تل العزيز، وتل السبخة، وكوم الربيعة، وكوم القلعة، وكوم النوى، وكوم الخنزير، وحوض الدمرداش وغيرها، مؤكدًا أن هذه المناطق لا تزال تحمل فرصًا واعدة لاكتشافات أثرية جديدة.
وأكد أن بوابة معبد بتاح الرئيسية لم يتم العثور عليها حتى الآن، وأن بدء مشروع حفائر علمية في المنطقة قد يقود إلى الكشف عن البوابة الأصلية للمعبد، بالإضافة إلى عشرات أو مئات تماثيل أبي الهول التي كانت تصطف على جانبي طريق المواكب، بما يعيد رسم الصورة الكاملة للعاصمة المصرية القديمة.

وأشار إلى أن دخول معبد بتاح كان يقتصر على الملك والكهنة، بينما كان عامة الشعب يقدمون صلواتهم من خارج المعبد عبر ما عُرف بـ«لوحات الأذن»، وهي لوحات حجرية تحمل أذنًا كبيرة ترمز إلى أن الإله بتاح هو «الإله السميع» القادر على الاستجابة للدعوات والابتهالات، وتعد من أبرز الشواهد على الممارسات الدينية في مصر القديمة.
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن المنطقة المحيطة بالمعبد كانت تضم أربعة أحياء سكنية كبيرة ازدهرت فيها الصناعات والحرف، مثل صناعة الفخار والتماثيل ورؤوس السهام، إضافة إلى الأفران وورش الإنتاج، وهو ما يؤكد أن منف لم تكن مجرد عاصمة سياسية، بل كانت أيضًا مركزًا اقتصاديًا وصناعيًا وحضاريًا لعب دورًا محوريًا في تاريخ مصر القديمة.

قمة العلمين.. السيسي وبن زايد توافق سياسي يعزز استقرار الشرق الأوسط
خطوة بخطوة.. معايشة تكشف أسرار موسم "المانجو الإسماعيلاوي"
تكريم الأبطال وصناعة الأجيال.. رسائل الرئيس السيسي بعد إنجاز المونديال






