شهدت ولاية «خاليسكو» المكسيكية موجة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الحديث سوى عن الشخص الملثم الذي ينفذ سلسلة من عمليات احتجاز وعقاب ضد من يُشتبه في أنهم لصوص، أطلق عليه رواد السوشيال ميديا لقب «باتمان لاجوس دي مورينو»، وهي المدينة التي شهدت تلك الوقائع.
في غضون عشرة أيام، وقع ما لا يقل عن خمسة مجرمين مزعومين في أيدي الحارس الليلي الذي يطبق القانون بنفسه، حيث قام بلصقهم على أعمدة الإنارة، وكتابة كلمات على جباههم ورسومات على وجهوههم، وترك رسائل على الورق لاتهامهم بسرقة الدراجات النارية.
بدأت أولى فصول القضية المثيرة في الثالث عشر من يونيو، حين استيقظ أهالي أحد الأحياء في المدينة، على مشهد صادم لشاب مقيد بإحكام إلى عمود إنارة في وسط الشارع، ووفقا لصحيفة لوفيجارو، لم تكتفِ الجهة المجهولة بتقييده، بل خطت على جبهته كلمة «لص» باللون الأسود، وتركت بجواره دراجة نارية تبين لاحقًا أنها مسروقة، ليعلم الجميع أن العقاب قد نُفذ.
ولم تكد تمر أيام قليلة، بعد أقل من أسبوع، حتى تكرر المشهد ذاته بشكل أكثر قسوة، إذ عثر المارة على شابين آخرين في مواقع مختلفة يبلغ عمرهما 18 عاما، وهما مقيدان بأربطة بلاستيكية سميكة، وقد وُضع شريط لاصق على أفواههما لمنعهما من الصراخ ومصابين بكدمات متفرقة.
ومن أجل الإمعان في إذلالهما وتشويه سمعتهما، تعمد الفاعل رسم شوارب فئران على وجهيهما بالقلم، تاركاً لافتات تحذيرية تصف جرائمهما المزعومة وتصفهما بكلمات مثل «الواشي» أو «اللص» ليكونا عبرة للمارة، بعد ذلك، توالت نفس الوقائع لتصل إلى خمسة أشخاص، والتي اتسمت بنفس الخصائص التي اتسمت بها الحالات السابقة، حتى الدراجات النارية التي يُزعم أنهم سرقوها كانت موجودة.
أمام هذه الظاهرة، تحركت السلطات القضائية في ولاية خاليسكو بشكل رسمي، وأعلن المدعي العام سلفادور جونزاليس دي لوس سانتوس، فتح تحقيقات موسعة حول هذه الوقائع، حيث أشارت التحريات إلى أن الحارس الغامض يعتمد على آلية ذكية في رصد وتعقب المشتبه بهم.
يبدأ الأمر بمتابعة دقيقة ومستمرة لصفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي المحلية الخاصة بسكان المدينة، والتي يشاركون عليها شكاويهم وبلاغاتهم الفورية عن السرقات، بحسب صحيفة لا فوز ديل إنتيريور، حيث يركز الحارس بشكل خاص على جرائم سرقة الدراجات النارية.
يجمع باتمان المكسيك بعد ذلك، كافة البيانات المتاحة من المنشورات، مثل مواصفات الدراجة المسروقة، وتوقيت الحادث، والحي الذي تمت فيه السرقة بالإضافة إلى أي أوصاف أدلى بها الضحايا أو شهود العيان عن الملامح التقريبية للجناة، ثم ينتقل بعد تحديد مواصفات المشتبه بهم، إلى مرحلة تتبع الأثر ميدانيًا.
بعد ذلك يبدأ بمسح المناطق الحيوية والنقاط الساخنة التي تُعرف بأنها ممرات لهروب اللصوص أو الأماكن التي تُباع فيها المسروقات، ثم يبدأ في اختيار الوقت المناسب للإيقاع بهم، ويفضل الشوارع الهادئة، حيث ينصب لهم الكمائن في الشوارع المظلمة، وينقض عليهم المشتبه به فجأة مستخدما مهاراته البدنية وسلاحه لشل حركتهم.
وبحسب شهود عيان، سرق رجلان دراجة نارية من رجل توصيل عندما اعترض طريقهما شخص ملثم الوجه ومسلح بعصا تونفا، وهي نوع من عصي الشرطة، وأفاد صاحب متجر أن المهاجم المجهول تمكن من السيطرة على المشتبه بهما في غضون دقائق.
وقال صاحب المتجر في حي «لا أديليتا» بالمدينة لوسائل الإعلام المحلية: «ظهر الرجل الغامض فجأة.. وفي أقل من دقيقتين، كان قد طرحهم أرضًا وربطهم بأربطة بلاستيكية.. ثم استعاد الدراجة النارية، وسلمها للفتى، وطلب منا الاتصال بالشرطة، وعندما استدرنا، كان قد اختفى».
عنف العصابات والمنظمات
جاءت تلك الأحداث في وقت تعاني فيه مدينة لاجوس دي مورينو، من قلق أمني وتاريخ من العنف المرتبط بالعصابات، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة أعمال عنف شديدة التأثير ووجود منظمات إجرامية في المنطقة، خاصة منظمة خاليسكو للجيل الجديد التي تنافس المنظمات الإجرامية الأخرى على زعامة المدينة.
ووفقًا لبيانات الأمانة التنفيذية للنظام الوطني للأمن العام، سُجّلت 30 سرقة دراجات نارية عنيفة بين يناير ومايو في بلدية لاجوس دي مورينو، ويمثل هذا الرقم معظم الحالات المسجلة خلال العام السابق، والبالغ عددها 33 حالة، مما يكشف تضاعف عمليات السرقة بصورة كبيرة.
ولكن لم تقف السلطات الرسمية مكتوفة الأيدي، وتدخلت عناصر من الشرطة وموظفون من النيابة العامة في كل حالة من الحالات، ونقلوا الأشخاص الذين أطلق سراحهم إلى وحدات الخدمات الطبية البلدية بسبب الإصابات التي تعرضوا لها، والذين يعتبرون في نظر القانون ضحايا، ولم يُبدِ أي منهم رغبة في تقديم شكوى ضد المعتدي عليهم.
وبينما أيد بعض السكان ظهور ما يسمى بـ «باتمان لاجوس دي مورينو» الذي يُزعم أنه يُمارس دور المُنفّذ المجهول ويُؤيّدونه، كرد فعل على إفلات المجرمين من العقاب، إلا أنه بحسب الصحيفة، سارعت الدولة إلى اتخاذ موقف حازم لموازنة الكفة القانونية وقطع الطريق أمام ما أسموه بالفوضى.
ويخشى المسئولون من أن تؤدي هذه الظاهرة إلى عمليات إعدام خارج نطاق القانون أو هجمات ضد الأبرياء، وحذرت السلطات القضائية من أن هذه الإجراءات العشوائية، وإن بدت مرضية للجمهور على المدى القصير، إلا أنها تحمل في طياتها خطورة بالغة قد تؤدي إلى إفساد القضايا الجنائية المستقبلية.
وأوضح المدعي العام، سلفادور جونزاليس، الرؤية القانونية الصارمة للدولة تجاه هذه المسألة، وشدد على أن العدوان الجسدي وانتهاك معايير الإجراءات القانونية الواجبة وتجاوز القنوات الرسمية قد ينتهي بمنح المتهمين ثغرات قانونية تخدم مصلحتهم أمام المحاكم وتؤدي إلى إطلاق سراحهم بدلا من معاقبتهم.
وأشار إلى أن الدستور المكسيكي ينص صراحة على حق أي مواطن في احتجاز أي شخص يُضبط متلبسا بارتكاب جرم مشهود، إلا أن النوايا الطيبة أو محاربة الجريمة لا تبرر خرق الدستور، حيث أن هذا الحق مشروط بضرورة تسليم المقبوض عليه فوراً ودون أي إبطاء إلى أقرب سلطة أمنية.
أما تجاوز ذلك إلى ضرب المشتبه بهم، أو تقييدهم بأعمدة الإنارة، أو تشهيرهم وعرضهم بشكل مهين في الشوارع، فإنه ينقل الفاعل مباشرة من خانة «المواطن الصالح» إلى خانة «المجرم» تحت طائلة تهم جنائية ثقيلة تشمل الاعتداء الجسدي والتعذيب والحرمان غير القانوني من الحرية
في الوقت الحالي، لا تزال هوية الحارس الغامض لغزًا، بينما تحاول السلطات تحديد من يقف وراء تلك السلسلة من الأحداث التي أصبحت واحدة من أكثر الموضوعات إثارة في المكسيك في الأسابيع الأخيرة، وحصلت على لقب قضية العدالة الإلهية، وسط تساؤلات حول من سيقف خلف القضبان قريبا .. اللصوص أم باتمان؟!
اقرأ أيضا: ضبط 3 متهمين بسرقة دراجة نارية في الدقهلية وإعادة المسروقات لصاحبها

استمرار مسلسل منازل الرعب فى أمريكا .. إنقاذ 16 ضحية من أسرة واحدة بولاية أوهايو
يونيو كشفت حقيقة الجمـاعة الإرهابية أمام العالم
إعدام قاتل زوجته وأبنائه بولاية أريزونا





