■ بقلم: د. خالد سعيد
وقّعت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقا لتخصيص قطعة أرض لبناء المقر الدائم للسفارة الأمريكية فى مدينة القدس المحتلة، بهدف تكريس قرار الرئيس ترامب بنقل سفارة بلاده إلى المدينة الفلسطينية، ووضع الأوتاد وصبَّ الخرسانة على الأرض المحتلة.
وأكدت وسائل الإعلام العبرية أن مراسم التوقيع جرت فى مقر وزارة الخارجية الإسرائيلية بالمدينة المحتلة نفسها، بعدما استضاف جدعون ساعر وزير الخارجية الإسرائيلى، السفير الأمريكى مايك هاكابى، منوهة إلى أن المقر الدائم للسفارة الأمريكية سيقام فى مجمع اللنبى جنوبى القدس، وهو إيجار لمدة 99 عاما كاملة.
سبق للرئيس ترامب خلال ولايته الأولى أن اعترف فى العام 2017 بمدينة القدس الفلسطينية المحتلة عاصمة لإسرائيل، وأمر بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى المدينة المتنازع عليها، رغم أن هذا القرار لم يجرؤ أى رئيس أمريكى من قبل على اتخاذه، ليقينه بخطورة القرار وما سيترتب عليه من تداعيات أخطر، حيث شكّل قرار ترامب خروجا عن عقود طويلة من السياسة الأمريكية التى اعتبرت الوضع النهائى للقدس يجب أن يُحسم عبر المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وزير الخارجية الإسرائيلى اعتبر أن توقيع الاتفاق يؤكد "التحالف الوثيق" بين بلاده والولايات المتحدة، مدعيا أن "القرار التاريخى الذى اتخذه الرئيس ترامب بنقل السفارة إلى القدس أعاد الأمور إلى نصابها"، لكنه أضاف جملة مهمة وخطيرة تتعلق بأنه "مع الاتفاق على البدء فى بناء مجمع دائم للسفارة يصبح ذلك القرار راسخا وأكثر استدامة"، أى أصبح أمرا واقعا، و بمعنى أدق، لقد أعطت إسرائيل الغاصبة لما لا تستحق الحق للولايات المتحدة فى قطعة أرض لإقامة سفارة لبلادها على أراضٍ فلسطينية محتلة.
ورأى الوزير الإسرائيلى أن الاتفاق مع هاكابى محطة إضافية فى التحالف الأمريكى الإسرائيلى، بل تجسيدا لـ«عدالة تاريخية»، رغم إدراك هذا الوزير أن الأرض سوف تعود لأصحابها يوما ما! ولكنه تعمد استفزاز العالمين العربى والإسلامى بتلك الخطوة أو «الهدية الرخيصة» التى جاءت بدولار واحد فقط!.
غير أن السفير الأمريكى لدى تل أبيب «هاكابى» رأى أن الاتفاق رسالة إلى المجتمع الدولى بأن "الولايات المتحدة موجودة هنا لتبقى"، وكأنهما يتصرفان فى أملاكهما وحقهما، ويتعمدان استفزاز أصحاب الأرض، خاصة أن هذا السفير قد اعتبر أن "تخصيص الأرض والانتقال لاحقا إلى بناء مقر كبير ومثير للإعجاب يجعل قرار ترامب نقل السفارة إلى القدس مصبوبا بالخرسانة"، وهو تعبير يعنى تكريس الوجود الأمريكى الدائم فى القدس.
الغريب أن هاكابى لم يكتفِ بتكرار عبارة «العاصمة الأبدية لإسرائيل»، يأتى تشبيها لواقعة "وعد بلفور" جديد، أى إسرائيل التى لا تملك الأرض أعطت المقر لمدة قرن كامل لمن لا تستحق وهى الولايات المتحدة، وذلك مقابل إيجار المقر بدولار واحد فى حالة من السخرية والتهكم لهاكابى حيث أظهر السفير الأمريكى ورقة من فئة دولار واحد وأعطاها للوزير جدعون ساعر، وهو يفتح فاه ضاحكا؛ والجدل هنا لا يتعلق بقيمة العقد والبالغ دولار واحد، ولكنه يتعلق بالأرض الفلسطينية نفسها، خاصة إذا قلنا إن أرض السفارة الأمريكية الجديدة تعود لمواطنين فلسطينيين وكانت مؤجرة لسلطات الانتداب البريطانى.
هاكابى قال ساخرا "سنغرس علمنا العلم الأمريكى على أرض القدس من خلال إنشاء مجمع جديد ودائم للسفارة، سيكون المقر الرئيسى لأنشطتنا الدبلوماسية هنا فى إسرائيل"، ولم يكتفِ بذلك، بل اعترف بأن "واشنطن تقف إلى جانب إسرائيل.. نحن فخورون بشراكتنا مع الشعب اليهودى ومواطنى إسرائيل".
الشراكة الأمريكية الإسرائيلية تدرك يقينا أن هناك أصواتا أمريكية رافضة لتلك الخطوة, خاصة ما قام به ترامب فى العام 2017 من اعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلى، فهم يعلمون علم اليقين أن أرض مقر السفارة الأمريكية جنوبى مدينة القدس قد أثبتت وثائق أرشيفية ملكيتها لعائلات فلسطينية قبل الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين فى العام 1948، وأنها كانت مؤجرة لسلطات الانتداب البريطانى.
الثابت أننا أمام مشهد دبلوماسى يختصر واقع الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية، فالولايات المتحدة شريكة هذا الاحتلال تستأجر أرضا فلسطينية لقرن كامل مقابل دولار واحد، وهو ثمن أو رقم هزلى، فـ«الهدية الدولارية» جاءت لتضرب عرض الحائط بمشاعر المسلمين والمسيحيين حول العالم، وبكافة قرارات الأمم المتحدة التى أكدت أن القدس الشرقية أرضا محتلة منذ حرب 1967.. ومن هنا فنحن أمام شرعنة أمريكية جديدة لسياسة الاستيلاء أو اغتصاب أراضى وأملاك الغير بالقوة.

منى عشماوي تكتب: العميد... وعلم فلسطين
أيمن بدرة يكتب: صلاح الجديد مع العميد
عصام عطية يكتب: مخدرات رقمية!!





