رؤية

محمد ياسين يكتب: الأوكتاجون بين الأمن والتنمية

محمد ياسين
محمد ياسين


■ بقلم: محمد ياسين

فى الوقت الذى تحتفل فيه مصر بافتتاح الأوكتاجون حاول البعض خلط الأوراق وإثارة تساؤلات حول طبيعة وحجم التدفقات الاستثمارية الأجنبية، وتحديدًا الشراكات الكبرى مع إحدى الدول العربية، متسائلين عن تأثيرها على السيادة والأمن القومي. وهنا تبرز الحاجة الملحة لقراءة المشهد.

الحقائق والأرقام الرسمية تشير إلى أن الإمارات تأتى فى المرتبة الأولى بين الدول المستثمرة فى مصر، حيث ارتفعت محفظة الاستثمارات المباشرة التراكمية لتتجاوز حاجز 65 مليار دولار عقب صفقة رأس الحكمة (البالغ قيمتها 35 مليار دولار). وتتوزع هذه الاستثمارات على قطاعات حيوية تشمل التطوير العقارى والسياحي، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية والمالية، وبما يضمن الاحتفاظ بملكية الأصول كاملة للدولة، مع تعظيم عوائدها اللوجستية وتكاملها مع الممر التجارى لقناة السويس.

مصر تعتمد على فلسفة واضحة فى إدارة أصولها؛ فالمشروعات الكبرى مثل رأس الحكمة أو المدن الذكية الجديدة لا تُمثل تنازلاً عن شبر واحد من الأرض، بل هى شراكة تنموية تُثبت فيها مصر حضورها كشريك تجارى يمتلك حصة دائمة من الأرباح.

وهنا يجب أن نوضح أن القانون المصرى يمنع تملك الأجانب للأراضى والمواقع ذات البُعد الاستراتيجى أو العسكري، والشركات الأجنبية تعمل وفق بيئة تشريعية خاضعة لرقابة الأجهزة السيادية والمحاكم المصرية. إن تحويل المدن الساحلية أو الأصول الخدمية غير المستغلة لمراكز جذب عالمية هو حماية حقيقية للأمن القومي، الذى لم يعد يقتصر على المفهوم العسكرى الضيق، بل يمتد ليشمل الأمن الاقتصادى والاستقرار النقدي، وتوفير ملايين فرص العمل للشباب، وتحويل مصر لمركز إقليمى للطاقة واللوجستيات، مما يربط مصالح القوى الإقليمية والدولية باستقرار الدولة ونموها.

وأخيرا جاء افتتاح الأوكتاجون ليمثل الرد العملى والأقوى على كل من يتوهم مساس الاستثمار بالسيادة. فهذا الصرح العسكرى، مدار بالكامل بأحدث تكنولوجيات الذكاء الاصطناعى وبشبكات اتصالات وطنية وقمر اصطناعى مصرى خالص «طيبة-١».

إن الدولة التى تشيّد مقر قيادة استراتيجية بهذا الحجم والتعقيد الهندسى والعسكرى لإدارة الأزمات والردع، هى دولة تعى جيداً حجم قوتها، وتدير علاقاتها مع الحلفاء والأصدقاء من موضع الندّية والشراكة القوية، لا الاحتياج.