في ثوان معدودة، خطفت لقطة احتفال النجم محمد صلاح الأنظار، حركة بدت للوهلة الأولى مجرد تعبير عفوي عن الفرحة بالانتصار في الملعب، لكن خلف هذه الحركة الحماسية يكمن سر أعمق بكثير، سر لا يرتبط بكرة القدم، بل بحضارة عظيمة، فتحت الباب لرحلة مثيرة تأخذنا من ملاعب اليوم إلى دهاليز المعابد الفرعونية قبل آلاف السنين.

الحكاية يفك شفرتها د.شريف شعبان، محاضر علم المصريات وتاريخ الفن، مؤكداً أن ما شاهدناه لم يكن وليد الصدفة؛ لكن المفاجأة أن هذه الوضعية ليست مجرد تعبير عن الفرح داخل الملعب، بل تحمل جذورًا تاريخية تمتد إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبطت بطقس ملكي كان يرمز إلى القوة والتقديس وتجديد السلطة.
الحركة التي لفتت الأنظار خلال احتفال محمد صلاح، والتي شاركه فيها المدير الفني حسام حسن، تشبه بشكل كبير طقسًا مصريًا قديمًا يُعرف باسم "حنو" أو "هنو"، وهو أحد الطقوس الملكية التي مارسها ملوك مصر القديمة منذ آلاف السنين.
وبحسب المعتقدات المصرية القديمة، كان طقس "هنو" يقوم على الركوع على ركبة واحدة مع رفع إحدى الذراعين واستخدام عصا لضرب الصدر، وهي وضعية حملت دلالات دينية وسياسية، إذ كانت تُؤدى تعبيرًا عن الطاعة والتقديس أمام أرواح ملوك بوتو ونخن، اللتين مثلتا الحكم في مصر قبل توحيد القطرين.
وكانت أرواح بوتو ونخن، وفق المعتقدات المصرية القديمة، تمنح الملك الحماية والقوة اللازمة للانتصار على أعدائه، كما تساعده على ترسيخ العدالة وإعلاء قيم "ماعت"، إلى جانب ضمان استمرار تقديم القرابين وتجديد شرعيته في الحكم.

هذا الطقس ارتبط أيضًا بطقوس تمجيد شروق الشمس وبعث الحياة، كما ظهر الملك وهو يؤدي هذه الوضعية في عدد من المقابر، أبرزها مقبرة الملك رمسيس الأول بوادي الملوك، حيث صُوِّر راكعًا بين أرواح بوتو ونخن في مشهد يعكس الرمزية الدينية لهذا الطقس.
استخدام هذه الوضعية لم يتوقف عند عصر الدولة الحديثة، بل استمر في العصر المتأخر ثم ازداد ظهوره خلال العصرين اليوناني والروماني، سواء في التماثيل أو على جدران المعابد، خاصة عند المداخل والبوابات، وهو ما يعكس استمرارية هذا التقليد بوصفه أحد الطقوس الملكية الراسخة في الحضارة المصرية.
في النهاية، أكد د. شريف شعبان أن التشابه المذهل بين احتفال "صلاح" وهذا الإرث القديم يعكس عبقرية الجينات المصرية، فالحركات التي نظنها اليوم عفوية ووليدة اللحظة، قد لا تكون سوى نداء خفي من أجدادنا الفراعنة، يذكرنا بأن دماء الحضارة والأسرار القديمة لا تزال تجري في عروقنا، لتصنع النصر والبهجة على مر العصور.

"أفسس تتحدى الزمن".. أسرار مدينة كانت عاصمة للتجارة والإمبراطوريات
نجم الحديقة.. حكاية "فيل" ولد عاشقًا لكرة القدم
السيرة الهلالية.. حكاية شعب خلدها التراث الإنساني






