كتبت دينا الأدغم
في لحظة يشهد فيها العالم تحولات جيوسياسية غير مسبوقة، انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة وسط تحديات متشابكة تمتد من الحرب الروسية الأوكرانية إلى تصاعد المنافسة مع الصين، مرورًا بالتهديدات السيبرانية والذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
ورغم أن القمة خرجت برسائل تؤكد وحدة الحلف، والالتزام بمبدأ الدفاع الجماعي، وزيادة الإنفاق العسكري، فإنها فتحت في الوقت نفسه بابًا واسعًا للنقاش حول ما إذا كانت هذه الإجراءات كافية لمواجهة طبيعة التهديدات الجديدة، أم أنها لا تزال أسيرة المفاهيم التقليدية للأمن والدفاع.
وفي هذا السياق، نشر موقع The National Interest مقالًا بعنوان "What the NATO Ankara Summit Missed"، رأى فيه أن القمة، رغم أهميتها السياسية، أغفلت عددًا من القضايا الاستراتيجية التي قد تحدد مستقبل الحلف خلال العقد المقبل.
أولًا.. إنفاق دفاعي أكبر.. لكن هل تكفي الأموال؟
ركزت مخرجات القمة على تعزيز القدرات العسكرية للدول الأعضاء، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع الطاقة الإنتاجية للصناعات العسكرية، باعتبارها أدوات رئيسية لتعزيز الردع في مواجهة روسيا.
غير أن المقال يرى أن رفع الميزانيات الدفاعية، على أهميته، لا يمثل استراتيجية متكاملة، إذ إن التحديات الحالية لم تعد تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات والصواريخ، وإنما بقدرة الدول على مواكبة الثورة التكنولوجية، وتأمين الفضاء السيبراني، وحماية البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الابتكار في الصناعات الدفاعية.
ثانيًا.. الصين.. الغائب الأبرز
يشير المقال إلى أن القمة لم تمنح الصعود الصيني القدر الكافي من الاهتمام، رغم أن بكين أصبحت لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا والأمن البحري.
ففي الوقت الذي يركز فيه الحلف على الحرب في أوكرانيا، تواصل الصين توسيع نفوذها في المحيطين الهندي والهادئ، وتستثمر بكثافة في التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهو ما قد يفرض تحديات استراتيجية تتجاوز الإطار الأوروبي التقليدي.
ثالثًا.. مستقبل القيادة الأمريكية
من بين أبرز القضايا التي أثارها المقال التساؤلات حول مستقبل الدور الأمريكي داخل الناتو، في ظل استمرار الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حجم الالتزامات الأمنية تجاه أوروبا.
ويرى محللون أن هذا الجدل يدفع الدول الأوروبية إلى تسريع خططها لتعزيز قدراتها الدفاعية وتقليل الاعتماد على واشنطن، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن المظلة الأمريكية التي لا تزال تمثل الركيزة الأساسية للحلف.
رابعًا.. الحرب تغيرت
لم تعد الصراعات الحديثة تعتمد فقط على المواجهة العسكرية المباشرة، بل أصبحت تشمل الهجمات الإلكترونية، وحروب المعلومات، والتضليل الإعلامي، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، واستهداف البنية التحتية الحيوية.
ويرى المقال أن هذه التحولات تستدعي إعادة تعريف مفهوم الردع داخل الناتو، بحيث يشمل حماية الفضاء الرقمي والاقتصاد والتكنولوجيا، إلى جانب القدرات العسكرية التقليدية.
الموقف الرسمي للناتو
في المقابل، يؤكد الحلف أن قمة أنقرة جاءت استكمالًا لمسار تحديث الناتو، وأنها تضمنت خطوات لتعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير الابتكار العسكري، وزيادة جاهزية القوات، ومواصلة دعم أوكرانيا، مع التشديد على وحدة الحلف والتزامه بالدفاع الجماعي.
كما شدد قادة الناتو على أن التحديات المستقبلية تتطلب تعاونًا أوثق بين الحكومات والقطاع الصناعي ومؤسسات البحث العلمي، بما يعزز قدرة الحلف على مواجهة التهديدات المستجدة.
بين النجاح والانتقاد
يرى مراقبون أن القمة حققت نجاحًا سياسيًا في الحفاظ على تماسك الحلف وإظهار وحدة الموقف بين أعضائه، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا.
لكن في المقابل، تكشف الانتقادات التي طرحها The National Interest عن نقاش أعمق داخل مراكز الفكر الغربية بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان الناتو يحتاج إلى إعادة صياغة أولوياته، بحيث لا يقتصر على تعزيز القوة العسكرية، بل يدمج الأمن الاقتصادي، والتكنولوجي، والسيبراني، ضمن مفهومه للأمن الجماعي.
مستقبل الحلف
يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الناتو التحول من تحالف عسكري تقليدي إلى منظومة أمنية شاملة قادرة على التعامل مع عالم متعدد الأقطاب وسريع التغير؟
الإجابة ستتوقف على قدرة الحلف على تجاوز إدارة الأزمات الآنية، وبناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى تستوعب التحولات في موازين القوى العالمية، وتوازن بين الردع العسكري والابتكار التكنولوجي والتعاون الاقتصادي والدبلوماسية.
وفي ظل استمرار الحرب في أوروبا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تبدو قمة أنقرة محطة مهمة في مسار الناتو، لكنها قد لا تكون المحطة التي حسمت شكل الحلف في المستقبل، بل بداية مرحلة جديدة من المراجعة الاستراتيجية حول دوره ومكانته في النظام الدولي المتغير.
اقرأ أيضا | ترامب يهاجم حلفاء الناتو وينتقد مواقفهم من إيران وجرينلاند

القيادة المركزية الأمريكية: قصفنا بنى تحتية عسكرية لوجستية في إيران
يونيفيل: الوضع في جنوب لبنان لا يزال هشاً رغم تراجع مستوى العنف
تبادل الضربات بين واشنطن وطهران يعصف بالتهدئة ويهدد بإشعال الشرق الأوسط






