محمد عبدالفتاح

حديث خاص فى باريس لـ«الأخبار» مع مؤلفة الكتاب: «المكتبة» لحظة فارقة فى تاريخ البشرية

محرر «الأخبار» مع مؤلفة الكتاب فى باريس
محرر «الأخبار» مع مؤلفة الكتاب فى باريس


ما العلاقة التى يمكن أن تربط بين جثةٍ مسروقة ومكتبة كما جاء فى كتابك؟

تجيب كلودين لوتورنو ديزون قائلة : « قبل أن يجمع بطليموس الأول لفائف البردي، وقبل أن يغادر «الإسكندر» مصر، كان قد تُوِّج فرعونًا.

ووفقًا للتقليد الملكى المصري، فإن من يطمح إلى خلافة الفرعون يجب عليه، لكى يُعترف به وريثًا شرعيًا له، أن يتولى مراسم دفن سلفه، حتى يحصل على جميع العناصر والرموز التى لا يستطيع الكهنة تنصيبه من دونها. لذلك فإن الاستيلاء على جثمان الإسكندر، فرعون مصر الذى توفى فى بابل، كان فعلًا سياسيًا بامتياز، لأن بطليموس لم يكن ليستطيع أن يُعترف به ويُتوَّج حاكمًا لمصر إلا إذا أبرز جسد الإسكندر المحنَّط ودفنه فى أرض مصر وفقًا للطقوس المصرية (فى حين أن الطقس الإغريقى كان يقوم على إحراق الجثث).

وعند استيفاء هذه الشروط فقط كان يمكن لبطليموس أن يحظى بقبول الشعب المصرى وأن يؤسس سلطة أراد أن يفرضها لا بالحرب والسلاح اللذين لم يرَ خلال السنوات العشر التى قضاها مقاتلًا إلى جانب الإسكندر سوى فظاعتهما وعبثيتهما ــ بل على أساس المعرفة والذكاء الإنساني. ومن هنا أصبح بطليموس أول حاكم فى تاريخ البشرية يدرك أن العلوم والمعارف أقوى وأكثر رسوخًا وأهمية من الفتوحات والحروب المدمرة».

وصفتِ مكتبة الإسكندرية بأنها مركز الذكاء الأول الذى عرفته البشرية.. لماذا؟

لأن تاريخ هذه المكتبة هو شيء جوهرى وهو أصل كل المعارف التى توصل إليها العالم الآن، وهذه المعارف والعلوم المأخوذة عن مكتبة الإسكندرية لها الفضل الأول فيما وصل إليه الغرب من حداثة. فإنشاء المكتبة، كانت هذه هى المرة الأولى التى يقرر فيها إنسان على وجه الأرض، والحديث هنا تحديدًا عن بطليموس الأول الذى كان أحد جنرالات الإسكندر الاكبر، أن يحفظ المعرفة عبر الكتابة من خلال النقش على الأحجار، وهذا أمر مذهل ولحظة فارقة فى تاريخ الحضارة الإنسانية،

حينما قرر البشر أن يبتكروا علامات لنسخ الكلمات وتحويل الموضوعات والأشياء لنصوص، وما هو أبعد من النصوص تجسيد الأفكار المجردة لتبقى، بمعنى أنهم قرروا نقش تاريخهم بطريقة أو بأخرى ومن ثم صناعة لغة ظلت باقية، كما صورها لهم خيالهم، وهو ما مكننا من إعادة تتبع تاريخهم،

وهو ما نقل لنا بالتالى العلوم اليونانية وعلوم الحضارة المصرية القديمة، فالمصريون القدماء هم أول من ابتكر الطب والرياضيات والهندسة. باختصار، كانت تلك اللحظة رقيًا غير مسبوق فى المسيرة الفكرية البشرية وتعكس ذكاءً مبهرًا.

وما دفعنى لصياغة العنوان على هذا النحو هو أننا اليوم لدينا انطباع بأن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يعطينا كل شيء وأن يبتكر لنا كل شيء، وحقيقة الأمر أن الذكاء الاصطناعى ما كان له أن يوجد ولن يستمر إلا من خلال الكتابة والكتب ومن خلال العلم الذى ابتكره البشر فى الأصل.

هناك اعتقاد السائد فى الغرب هو أن أصل الحداثة كان نقلاً عن الحضارة اليونانية؟

هذا اعتقاد خاطئ، والحقيقة أن أصل الحداثة فى الغرب كان نقلاً عن الحضارة المصرية عبر الحضارة اليونانية، حيث إن الإغريق كانوا على درجة من الذكاء لفهم أن المصريين هم من ابتكروا الطب والرياضيات والهندسة وعلم الفلك وتقويم حساب الأيام والسنين وتقسيم السنة إلى 12 شهراً ، وبالتالى نقلوا عنهم، غير أن نقل اليونانيين عن الحضارة المصرية كان يوازيه نقل آخر ولا يقل أهمية عن حضارة بلاد الرافدين، حيث إن شريعة حمورابي، المكتوبة بالخط المسمارى على ألواحٍ طينية،

قد أثبتت منذ قرون مستوى المعرفة الذى بلغته تلك الحضارة العتيقة. فقد كشفت عن براعةٍ استثنائية فى العمارة، وتفوُّقٍ فى الصناعات التقنية، ومهارةٍ لا تُضاهى لدى الحرفيين. وكانت هذه الألواح، المحفوظة فى المكتبة العلمية لحيِّ إيساكيلا المقدَّس، تضمُّ معارفهم فى الإدارة والجباية والتجارة والدين والأدب والفن وتاريخ بلاد الرافدين.

كما أظهرت علومهم فى الفلك والجغرافيا والطب والرياضيات. فقد عرف الفرس الأبراج الفلكية، والتقويم الشمسي، وتقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وحساب الجذور التربيعية والتكعيبية، بل وخصائص الأعداد الأوَّلية.

وكيف جاءت فكرة بناء المكتبة ومتى.. ولمن يعود الفضل؟

ما بين عامى 300 و280 قبل الميلاد، والمبادر لهذه الفكرة هو بطليموس الأول حيث كان أكثر وعيًا وكان يملك عقلًا يقظًا أكثر من الإسكندر المقدونى (علمًا بأن كليهما تلميذان لأرسطو) ولكنه كان محظوظًا بتواجد فيلسوف آخر إلى جواره وهو «ديمتريوس الفالرومي» حيث كانت العلاقة بين الرجلين إيجابية ومثمرة، وهو من ساعد بطليموس الأول على فهم أن مصر هى مركز ثقل استراتيجى .. ومن خلالها يمكن إنشاء مركز للتحكم والسيطرة، فصحيح أن الإسكندر هو صاحب فكرة إنشاء مدينة الإسكندرية، ولكنه لم يرها إذ أنه لم يمكث فى مصر كثيرًا بعدما دخلها غازيًا ، حيث اكتفى بأن أجرى فيها مراسم تنصيبه فرعونًا ثم غادرها، ومعه بطليموس الأول، دون أن يشاهد المدينة على أرض الواقع.

ليعود بطليموس الأول إليها بعد عشر سنوات ليكون هو البانى والمطور الفعلى لمدينة الإسكندرية فى ذلك الوقت، وبعدما شاهد وشارك فى الخراب وسفك الدماء فى المعارك التى خاضها مع قائده الإسكندر المقدوني، بات مقتنعاً بأن السيف وحده لن يفيد فى إرساء دعائم الحكم، فكان أول حاكم فى التاريخ ينشئ سلطة قائمة على العلم والمعرفة.

فى كتابكِ أشرتِ للترجمة الشهيرة للعهد القديم إلى اللغة اليونانية وهى الترجمة السبعينية.. ما الذى حدث تاريخيًا؟

لقد كانت فكرة «ديمتريوس الفالرومي» وكان بطليموس الأول دائم الاستماع له والأخذ بمشورته، ويبدو أن الفكرة راودته لأنه فى ذلك الوقت كان تقريباً 30% من تعداد سكان الإسكندرية يعتنقون اليهودية ولقد شارك عدد كبير من اليهود فى تطوير مدينة الإسكندرية وحقيقة الأمر أن اليهود عاشوا فى عهد البطالمة (بطليموس الأول والثانى والثالث) بشكل حفظ لهم كرامتهم وحقهم فى ممارسة شعائر دينهم بكل حرية، وتقول الأسطورة التاريخية: إن اليونانيين كانوا مهتمين بالاطلاع على محتوى العهد القديم لذلك فقد استقدموا علماء يهوداً من القدس للقيام بالترجمة من العبرية إلى اليونانية. وهو ما يُعد مؤشرًا قويًا على عصر ذهبى عاشته مصر من التسامح الديني، حيث كان المصريون والآشوريون والإغريق واليهود يعيشون جنبًا إلى جنب بدون أى مشكلات، بل ومن الواضح أن التبادل الثقافى والاحترام المُتبادل بينهم كان فى ذروته.

ولماذا سُميت بالترجمة السبعينية؟

هنا يكمن الشق الأسطورى فى السرد التاريخي، فالترجمة موجودة لا شك فى ذلك، ولكن يُقال إنه تم إنجازها خلال سبعين يومًا بواسطة سبعين عالمًا من علماء اليهود.

ومتى بدأ اهتمامك بتاريخ مصر وحضارتها القديمة؟

اهتمامى بالتاريخ المصرى بدأ مبكراً، فما أن قرأت عن مصر وأنا طالبة جامعية، تولدت لديّ رغبة عارمة فى أن أكون على اتصال دائم بالحضارة المصرية، ولم يكن ذلك بهدف أن أكون عالمة آثار أو عالمة مصريات، ولكن كان الأمر بدافع الفضول الشخصى ومن هنا عملت فى الصحافة فى بداية حياتى حيث الصحافة هى مهنة الفضول والسفر والترحال، وكانت أول مقالاتى كصحفية محترفة عن مصر وحضارتها، وكانت عبر مجلة GO وهى على نمط ناشيونال جيوجرافيك ولكن بالفرنسية. وإلى جانب عملى بالصحافة كنت أشتغل أيضًا فى وزارة الثقافة الفرنسية. ثم انتقلت للعمل فى مجلة «بارى ماتش»، ومنها لقناة «فرانس 3» وهناك بدأت عملى بسلسلة وثائقيات عن الحضارة المصرية.

ولكن كيف تحولت إلى كاتبة ومؤرخة متخصصة فى حقبة مصر القديمة؟

كانت النقلة الأكبرفى حياتى من خلال لقائى بعالم المصريات الفرنسى «جان فيليب لوير» (توفى عام 2001 عن عمر ناهز الخامسة والتسعين) الذى كان له الفضل فى العديد من الاكتشافات الأثرية فى موقع سقارة. وقد التقيته فى مطلع التسعينيات ولم يكن قد كتب مذكراته عن مصر بعد وحينما عرضت عليه الفكرة رحب بها على الفور .. ومن هنا وضعت أول مؤلفاتى عن مصر من خلال هذا العالم الكبير وكان بعنوان «شغف مصري» Une passion égyptienne. ومن هنا أيضًا تعمقت علاقتى بالحضارة المصرية، وقد تحولت فصول هذا الكتاب إلى سلسلة وثائقيات أخرى عن الحضارة المصرية عبر قناة «فرانس 3».

وهل يمكن أن تخبرينا باختصار من هو جان فيليب لوير؟

بدأ حياته مهندساً معماريًا وفى شبابه، اختاره مدير دائرة الآثار المصرية لمساعدة الفريق الذى كان قد اكتشف للتو بعض الآثار الغريبة فى منطقة سقارة، وكانت أولى رحلاته لمصر فى عام 1926، بموجب عقد لمدة ثمانية أشهر دائرة الآثار المصرية. غير أن هذه الأشهر الثمانية امتدت لمدة سبعين عامًا فى مصر، وبينما هو فى الرابعة والتسعين من عمره، كان لا يزال يعمل فى موقع سقارة، ليُعيد بناء آثار مجمع الملك زوسر الجنائزى حول الهرم المدرج حجرًا حجرًا، وهو كما تعلم أول هرم تم بناؤه، ليس فى مصر القديمة فقط، ولكن فى تاريخ البشرية (عام 2700 قبل الميلاد). كما كان جان فيليب لوير بمثابة مرشد سياحى للرؤساء الفرنسيين فى أثناء زيارتهم الرسمية لمصر وخصوصًا الراحلين فرانسوا ميتران وجاك شيراك اللذان كانا مغرمين بالحضارة المصرية.

كلمة أخيرة؟

أود أن أشكر الدولة المصرية على الجهد الجبار الذى تبذله على مدار السنوات العشر الأخيرة فى الحفاظ على التراث المصرى القديم، وعلى افتتاح المتحف المصرى الكبير الذى يُعد بحق هدية للبشرية جمعاء.