إنها مصر

حين قالت الدكتورة «أنا مش مُختطفة»!

كرم جبر
كرم جبر


شدّ انتباهى واقعة طالبة كلية الطب، التى حررت منذ أيام، «محضر إثبات حالة» بقسم شرطة الشيخ زايد، تؤكد فيه «أنا مش مُختطفة»،وأنها المسئولة عن حياتها، ورغبتها فى عدم العودة لمنزل أسرتها.. إنها دعوة للتأمل فى التحولات العميقة، التى طالت العلاقة بين الأجيال، وأثّرت فى منظومة القيم والعلاقات الأسرية.
الواقعة نافذة نطل منها على واقع جديد يتشكل بصمت..لماذا أصبح الحوار مع الشباب أكثر صعوبة، والفجوة أكثر اتساعا؟ ..نتحدث عنهم كثيرا ونصغى إليهم قليلا، ونحاكم تصرفاتهم دون أن نبحث عن دوافعها، ونستنكر نتائجها دون أن نفتش فى أسبابها.
تغيرت الدنيا بالفعل، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعى ،ساحات لتشكيل الوعى، وصناعة منظومة قيم موازية، قد تتصادم أحيانا مع ما تربت عليه الأجيال السابقة، وانتشرت ظواهر مثل فتيات «تيك توك»، التى أثارت جدلا،بين من يراها انحدارا أخلاقيا، ومن يعتبرها تعبيرا عن حرية شخصية ،أو وسيلة للرزق فى عصر الاقتصاد الرقمى.
واللافت للنظر أن كثيرا من هذه الحالات تنتمى إلى أسر متعلمة، وتقف العائلات إلى جانب بناتها فى ساحات التحقيق والمحاكم، مقتنعة ببراءتهن ، وعدم استحقاقهن الإدانة المجتمعية، وتتعدد التفسيرات، ربما تبدلت معايير العيب والقبول، وربما اختلفت نظرة الأجيال إلى الخصوصية والحرية، وربما أصبح ما كان مرفوضا بالأمس أمرا عاديا.
ولا يجوز أن نختزل كل هذه الظواهر فى اتهامات أخلاقية أو أحكام قاطعة،فقد تكون بعضها انعكاسا لضغوط اقتصادية واجتماعية، أو بحثا عن النجاح والشهرة، أو رد فعل على مشكلات معقدة مثل البطالة وتأخر الزواج، وتراجع فرص تحقيق الذات ،وهذا لا يعنى تبرير الأخطاء، ولكن فهم الأسباب ،وأن العلاج يبدأ بالتشخيص لا بالإدانة. وأخطر ما يواجه المجتمع ليس اختلاف الأبناء عن آبائهم، فاختلاف الأجيال من سنن الحياة، وإنما غياب الحوار الحقيقى داخل الأسرة، وتراجع دور البيت باعتباره الحاضنة الأولى للقيم، وانشغال الجميع بعالمهم الخاص، حتى أصبح كل فرد يعيش فى جزيرة منعزلة، بينما تتولى الشاشات والنت مهام التربية والتوجيه والتأثير.
جزء من المستقبل يُصنع على منصات التواصل، والشاب الذى نستنكر سلوكه اليوم، قد يكون بعد سنوات طبيبا أو مهندسا أو قاضيا أو وزيرا، وستنعكس قيمه على المجتمع بأسره، والاستماع إليه، وفهم لغته، وتحصينه ضرورة ،بالوعى قبل الوعظ، و بالقدوة قبل العقاب.
تغيّرت الدنيا بالفعل، لكن السؤال الذى ينبغى أن يشغلنا ليس لماذا تغيرت؟، وإنما: كيف نواكب التغيير،وكيف نصنع جيلاً يجمع بين حرية العصر وأصالة القيم؟.. المجتمع الذى يعجز عن فهم شبابه، يشبه قطارا يندفع بأقصى سرعته، بينما لا يعرف سائقه إلى أى محطة يتجه؟.
رحم الله كاتبنا الكبير إحسان عبد القدوس، الذى استشرف برؤيته الإبداعية منذ ستين عاما، ملامح الواقع الذى نعيشه اليوم،فى فيلمه «أنا حرة»، ويناقش صراع الفتاة «أمينة» بحثاً عن التحرر من القيود الاجتماعية.