«من حق الأجيال المعاصرة، والشباب بالذات.. أن يعرفوا تاريخ أمتهم ومسيرة وطنهم بأكبر قدر من الأمانة والمصداقية..»
فى مثل هذه الأيام من شهر يوليو ١٩٥٢، ومنذ ما يقارب الثلاثة أرباع القرن من الزمان، كانت مصر على شفا تفجر أحداث جسام، تهز البلاد من مشرقها إلى مغربها، ويمتد تأثيرها إلى كل ما حولها بطول الأرض العربية من المحيط الأطلسى إلى الخليج العربى.
ايذاناً بنهاية حقبة من الزمان فقدت مبررات وجودها، وحان أوان رحيلها، بكل ما تحتويه من أوضاع ونظم وأفكار وسياسات،...، وقد حدث ذلك بالفعل فى فجر الثالث والعشرين من يوليو حيث انفجر بركان الثورة.
ومنذ لحظة الميلاد الأولى لثورة يوليو١٩٥٢، تدافع التأثير، وامتد الأثر، ليتخطى حدود الزمان والمكان، ويتردد الصدى بقوة على الساحتين الإقليمية والدولية، حيث الشرق الأوسط بما يحتويه من براكين فوارة وصراعات ملتهبة وعلاقات قوى متضاربة، فى أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لحظة فارقة
وبقياس التأثير فى ذلك الوقت من الزمان، وبحساب الأثر فيما تلاه من سنوات، كانت ثورة يوليو «ولا تزال» حدثًا لا ينسى محليًا وإقليميًا ودوليًا، حيث كانت بالفعل علامة بارزة ولحظة فارقة فى تاريخ الشعب المصرى، وشعوب المنطقة ودولها، امتدت آثارها وتعمقت فى وجدان الجميع لتغير وجه التاريخ، وتبدل شكل الحياة وطبيعية الأشياء، ليس فى مصر فقط، بل فى كل ما حولها، وما جاورها بامتداد القارة الإفريقية، وعلى اتساع القارة الآسيوية، ومناطق أخرى كثيرة فى العالم تفصلها عن مصر بحار ومحيطات ومسافات واسعة.
وفى هذا لا مبالغة فى القول أن ثورة مصر فى الثالث والعشرين من يوليو١٩٥٢، قد تحولت بعد تفجرها على ضفاف نهر النيل بسنوات قليلة، إلى مصدر إلهام لشعوب كثيرة فى بلاد عديدة، استمدت منها القدرة على التمرد على الواقع والأمل فى تغييره، بل والثورة عليه والتحرر منه.
واقع الحال
وإذا ما ألقينا نظرة متفحصة على واقع الحال فى مصر قبل الثالث والعشرين من يوليو١٩٥٢، نجد أن جميع الظروف والملابسات تشير إلى أن التغيير قد أصبح ضرورة لا مفر منها، ولا مهرب إلا إليها،...، حيث كانت مصر تغلى غضبًا فى ظل الاحتلال البغيض الذى ألقى بظلاله القاتمة على كل مناحى الحياة، وأشاع إحساسًا كئيبًا بالمهانة والقهر، وولد رغبة طاغية فى التحرر.
كانت مصر تشارك كلها فى مقاومة الاحتلال فى مدن القناة، وتستشعر أنها تقف على أعتاب حدث جلل، يخلصها من هذا الواقع المر الذى استمر عشرات السنين، دون أمل فى الاستقلال، ويضع حدًا لصراع الأحزاب الذى تعمق وتصاعد بلا هدف ولا طائل، إلا المصالح الشخصية والذاتية قصيرة النظر، ويقضى على الفساد الذى استشرى فى كل مكان، ووصل إلى حد لا يمكن السكوت عليه أو القبول به.
وفى هذا الإطار يمكن اعتبار أن ثورة يوليو ١٩٥٢، لم تكن حدثًا منقطعًا فى حد ذاته، منفصلًا عما حوله، وأنها لم تكن مجرد حركة عسكرية لرجال الجيش وبعض شبابه المتحمسين،...، ولكنها وإن بدأت حركة عسكرية فى لحظة تفجرها، فقد تحولت فور ذلك، بعد أن احتواها الشعب والتف حولها، إلى تيار ثورى يتحرك باسم الجماهير، ويتحدث ويعمل من أجلها، ويصنع تاريخًا جديدًا لمصر والمنطقة كلها.
الضباط الأحرار
وفى هذا الإطار تحولت حركة الضباط الأحرار، التى قامت ليلة الثالث والعشرين من يوليو ١٩٥٢، إلى ثورة الشعب كله،...، ثورة على الماضى وعلى الواقع القائم على الأرض، بكل أشكاله وصوره ورموزه، وسعت للتبشير بواقع مختلف ومستقبل أفضل يفتح الباب لآمال غير محدودة لتحقيق طموحات الجماهير فى اللحاق بركب الحضارة والتقدم، والانطلاق بمصر على طريق التنمية الشاملة بعد الخلاص من الاحتلال، والقضاء على الأوضاع، كما يفتح الباب أيضًا لبناء جيش وطنى قوى، والأخذ بالديمقراطية منهاجًا وتوجهًا للدولة المصرية الجديدة.
وفى ظل ذلك آمنت الجماهير بالثورة التى أصبحت بالفعل حدثًا تاريخيًا فريدًا فى وقتها وزمانها، وامتدت آثارها لتستمر عقودًا حتى نهاية الألفية الثانية، بل وحتى نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة.
وعلى طول تلك السنوات وتلك العقود، شهدت مصر مع ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وفى ظل رئاسة عبدالناصر ثم السادات، ومن بعدهما مبارك، أيامًا مجيدة وأخرى عصيبة، وخاضت معارك كبيرة، بعضها فرض عليها فرضًا، وبعضها الآخر سعت إليه سعيًا،...، وكانت النتيجة تاريخًا حافلًا بالانتصارات فى وقت كبير منه، وحافلًا بالانكسارات فى وقت ليس بالقليل أيضًا.
ذاكرة الأمة
وقد يكون من المهم الآن... وبعد مرور كل هذه السنوات «٧٤ عامًا» على قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، أن نقول بوضوح، إن من حق الأجيال المعاصرة من أبناء الشعب والشباب على وجه الخصوص، بوصفهم لم يشاهدوا هذه الثورة لحظة ميلادها وتفجرها، ولم يعايشوا أحداثها ووقائعها، ولم يعاصروا مجرياتها على أرض الواقع، أن يعرفوا الحقائق فى سياقها الصحيح، وأن يطلعوا عليها فى إطارها السليم، دون تحريف أو تبديل، ودون تهوين من أدوار البعض، أو تهويل فى أدوار البعض الآخر،...، ودون انتقاص مقصود من قيمة أحد، أو تعظيم مستهدف من قيمة آخر.
ولعلنا لا نبالغ إذا ما أكدنا على أن أول الواجبات الملقاة على عاتق من يعلمون تجاه من لا يعلمون، فى تقديم معرفتهم وتسجيل علمهم بأكبر قدر من الدقة الممكنة، ورصد جميع الأحداث والوقائع بأعظم قدر من الأمانة والمسئولية، حفاظًا على صحة وسلامة ما يحفظ فى ذاكرة الأمة، خاصة وأن الأمر يتعلق بحدث على قدر كبير من الأهمية والخطورة، مثل ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، التى غيرت مسار التاريخ ومسيرة الشعب، وأثرت فى تاريخ الأمة كلها.
الأهواء والمصالح
ولو نظرنا بحساب الزمن فسنجد أن كل الشباب فى مصر الآن، وأغلب الرجال والنساء، هم من غير المعاصرين للثورة، وممن لم يعرفوها بالمشاهدة أو المعاصرة، ولكنهم بالقطع وقعوا فريسة ما يقرأونه عنها، وما يسمعونه من الرواة... وللأسف كان بعض ما كتب عن وقائع الثورة ومواقف رجالها وقادتها، يتضارب مع بعضه الآخر.
وللأسف أيضًا كان بعض ما يقال أو يسمع يتصادم مع بعضه، وبين هذا التضارب وذلك التصادم أصبح الشباب ضحية ما يكتبه هؤلاء وما يرويه أولئك، وبعضهم لم يراع الأمانة ولا المسئولية التاريخية فيما يقول أو يكتب عن الثورة ورجالها... بل راح البعض يقص علينا قصصًا تختلف وتتناقض مع وعن ما يقصه البعض الآخر...
ومن هنا كانت المأساة وتاهت الحقيقة واختلطت الوقائع والأحداث، بل وتلونت بلون من يكتبها أو يرويها... وخضع الأمر للأسف إلى الأهواء والمصالح والخصومات والاغراض.
الحقيقة والمصداقية
ونحن فى طلبنا للحقيقة والمصداقية فى وقائع وأحداث التاريخ، لا نطلب المستحيل، ومن حقنا بالتأكيد أن نعرف الحقائق المجردة بلا رتوش أو ظلال، ولا نريد من أحد أن يكذب أو يتجمل،...، ولكننا فقط نريد الحقيقة كما هى، وكما وقعت، دون إضافة أو حذف، وبلا رتوش أو تجميل... لأن ذلك حق الناس، كل الناس، هو حق الأمة فى أن تعرف الحقائق وتطلع على تاريخها بوقائع صحيحة وبكل ملابساته وأحداثه.
ونحن فى ذلك ندرك أن رواة الأحداث والوقائع ليسوا ملائكة منزهين عن الأخطاء... ولكننا لا نملك غير أن نطالب كتبة التاريخ أو رواته، بتوخى الصدق والأمانة فى تسجيل الحقيقة، وأن يتركوا لنا ولكل الناس وكل الأجيال حرية الاستيعاب والفهم والتقدير.

المونديال فكرة دعمتها مصر
جامعة أكسفورد بعد مرور ثلاثين عامًا
محمد عبدالحافظ يكتب: رسالة إلى الرئيس






