كل يوم

عرق الفلاح و«الحياة الكريمة» «٢-٣»

منصور كامل
منصور كامل


من الصبر للإنجاز صبر أهالينا فى القرى والأرياف لعشرات السنين فى انتظار خدمات لا تنفذ، وواقع لا يتغير، ومستوى معيشة لم تغيره وعود الحكومات المتتالية، حتى جاءت المبادرة الأكبر «حياة كريمة» لتغير هذا الواقع الصعب، وترسم البسمة على وجوه عرفت الصبر والرضا، فلأول مرة منذ فجر التاريخ، ولأول مرة منذ أن شق الفلاح المصرى أول فأس فى مجرى النهر، تعرف بيوت القرى والنجوع المنسية الغاز الطبيعى.

تغير مشهد طالما رأيناه فى أفلام الأبيض والأسود لامرأة ريفية بسيطة تخبز وتطبخ على نيران بدائية، تحمل فوق رأسها أعباءً تنوء بها الجبال، لتستيقظ اليوم وتجد طاقة المستقبل تتدفق داخل بيتها من خلال «محبس» يضخ الغاز الطبيعى؛ وهذه ليست مجرد «خدمة»، بل كان اعترافاً متأخراً بآدمية مواطن صان تاريخ هذا البلد بعرقه.

لم تكن هذه الخدمة هى الوحيدة التى غيرت وجه الريف بل امتدت أيضاً لتوصيل الصرف الصحى للمنازل وتطوير آلاف المدارس والمراكز الطبية الحديثة، ومجمعات الخدمات الحكومية والزراعية الموحدة التى حتماً ستنهى ولو بعد حين زمن ارتحال الفلاح إلى عواصم المدن لإنهاء ورقة رسمية.

هذه الطفرة لم تأتِ اعتباطاً، بل ترجمتها لغة الأرقام الرسمية للحكومة المصرية فى أضخم مشروعات التنمية المستدامة عالمياً. نحن نتحدث عن مبادرة استهدفت تغيير وجه الحياة لأكثر من ١٨ مليون مستفيد فى مرحلتها الأولى.

هذا الإعجاز على الأرض لم يكن محلى الصدى فحسب؛ بل دفع المنظمة الدولية الأكبر فى العالم، «الأمم المتحدة»، إلى إدراج المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» ضمن منصتها الدولية لـ «أفضل الممارسات والشراكات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة». لم يكن هذا الثناء الدولى مجرد مجاملة دبلوماسية، بل كان شهادة موثقة من المجتمع الدولى بأن مصر تصنع تجربة فريدة فى «حقوق الإنسان» بمفهومها الشامل والعميق؛ الحق فى كوب ماء نظيف، فى سكن كريم، وفى طاقة آمنة تلج البيوت لأول مرة منذ بدء الخليقة.

لقد تحولت الأرقام الجافة فى دفاتر الحكومة إلى نبض حى، وصار عرق الفلاح الذى سال لقرون عبر السنين يقابل اليوم بـ «حياة كريمة» تليق بصبره وتضحياته.. ولكن، كيف استقبل أهل الريف هذا التحول؟ وكيف أصبحت قراهم بعد أن دخلها قطار المستقبل؟

ولكن هل ما حدث فى حياة كريمة وهذا التغيير الضخم هل هو كل المنال؟ أم أننا فى حاجة إلى المزيد؟ سؤال سنتطرق إلى إجابته فى الحلقة القادمة.