الدور البحثى للجامعات ربما يكون أهم من الدور التعليمى، فالعملية التعليمية يمكن أن تكون فى مسارات غير صحيحة أو صحية إن لم يكن هناك تفوق بحثى
فى مقالنا السابق أشرنا إلى الأهمية العظمى للمؤتمرات العلمية، وأشرنا إلى بعض السلبيات التى تجرى فى إطارها وكيف يمكن تفاديها، والآن نحاول أن نستكشف بصورة أعمق الأسباب وراء هذا الطابع الروتينى الذى يغلب على المؤتمرات العلمية فى مؤسساتنا، أولها هو إيمان القيادات الأكاديمية بهذا الدور وأن البحث العلمى يجب أن يمضى فى إطار من المنافسة بين الجامعات وأن الدور البحثى للجامعات ربما يكون أهم من الدور التعليمى، فالعملية التعليمية يمكن أن تكون فى مسارات غير صحيحة أو صحية إن لم يكن هناك تفوق بحثي، فالبحث والاكتشاف سابق على العمليات التعليمية، وإذا كان الدور التعليمى يدور فى الجانب الأساسى أو فى الأطر الأساسية والمتراكمة فإن استكشاف الجديد والوصول إلى الحقائق هو ما يقود العملية التعليمية نفسها.
الدور البحثى أيضا هو ما يحدد النخبة فى كل جامعة، فالنخبة ليست كل أساتذة الجامعة بل هم المتفوقون والمتميزون بحثياً، أصحاب الاكتشافات والاختراعات والرواد المؤسسين للنظريات والمناهج أو التيار البحثي، وعبر هذه النخب الأكاديمية يتعزز دور الجامعة فى خدمتها للمجتمع، لأنها تمد المجتمع بالعقول المفكرة القادرة على ربط البلد بأحدث التطورات العلمية والفكرية وأحدث التقنيات والاختراعات لدى الدول المتقدمة، أى أن العقول البحثية الكبرى هى جسور بين الحضارات وهى الدعامات الأساسية للتقدم، السؤال هنا الذى يجب طرحه: ما هى نسب الاهتمام والتمويل فى الجامعات الموزعة بين قطاعى التعليم والبحث العلمى؟ هل مصروفات الجامعات على البحث العلمى والمؤتمرات تناسب احتياجاتنا البحثية؟ وهل لدى الجامعات تحديد للاحتياجات البحثية كما لديها تحديد للمجالات التعليمية؟ هل يتم وضع الخطط البحثية فى ضوء احتياجات المجتمع ووفق أحدث ما يجرى لدى العالم؟ هل يمكن أن يكون هناك نوع من التكلس أو الاعتياد أو السير فى الدروب المألوفة؟ وكيف يمكن مقاومة هذا التكلس فى ظل عالم لا يرحم أى متراخ أو متقاعس؟
أسئلة كثيرة يتوجب علينا طرحها على أنفسنا، والأهم أن نكون فى أعلى درجات الصدق حين طرح هذه الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها؟ أسئلة يجب أن نفكر فيها عبر مسئولين وقيادات جامعية لديهم همّ علمى وبحثى حقيقى، لديهم وعى بالتحولات التى يمر بها العالم وتبعات هذه التحولات وتأثيرها على مجتمعاتنا إن لم نواكب هذه التحولات بحثياً وعلمياً.
هناك مثلاً أنماط من الجامعات المتخصصة، وهذا الأمر لا يعنى أن ننشئ جامعات جديدة لتبدأ من الصفر، ولكن معناه أن نبحث عما تتميز فيه جامعاتنا القائمة بالفعل ولها تاريخ عريق وأن تركز كل جامعة على هذا المجال الذى تمتلك مقومات التميز فيه، أى أن يكون هناك شكل من التكامل بين الجامعات، فتغطى واحدة العلوم الإنسانية، وأخرى تركز على التكنولوجيا، وأخرى على العلوم الأساسية، ورابعة تركز على العلوم الاجتماعية، وخامسة تركز على اللغات، وأخرى عن العلوم الإدراكية وعلم النفس، ثم يكون التكامل بينها جميعا بعد ذلك، بأن تكون هناك مشاريع بحثية ومؤتمرات مشتركة وتبادل للخبرات وإشراف مشترك.
الحقيقة أن هذا الأمر غير متحقق فى جامعاتنا، ولا أعنى مصر فقط، ولكن دول المنطقة كافة، وربما يكون لهذا أسباب كثيرة وبعيدة، أى غائرة فى المجتمع، ربما أبرزها علاقتنا بالآخر، وحجم تقديرنا لفكرة الاكتشاف والبحث وموقف الإنسان العربى المسلم من العلم، وجانب آخر ربما يرتبط بالثقافة العامة والتربية وأحيانا بتأثير من الأجواء السياسية التى يكون فيها القيادة الجامعية منقوصَ الموضوعية أو لديه أشكال من التحيزات التى تؤثر بشكل سلبى على توجهاته فى قيادة مؤسسته.
لكن فى النهاية البحث العلمى أمر مصيرى، ولا تصح فيه أشكال الفهلوة أو النقل، ويحتاج لاستزراع فى بيئاتنا العلمية وترسيخه لدى الطالب الجامعى من العام الأول، وتدريب الطلاب على فكرة البحث من البداية وتجاوز فكرة التلقين إلى التفكير النقدى والابتكارى وتقليص الأبوية التى يمارسها بعض الأساتذة حتى على زملائهم الأصغر سناً، كلها أمور يجب أن نمضى فيها ونحن على يقين من أن البحث العلمى أمر مصيرى ونجاتنا من كل التحديات والمخاطر التى يتعرض لها العالم مرهونة بقدر تميزنا فيه، وأن الأمر لا يقبل القسمة على اثنين، وأن التميز البحثى فى ظل هذا التسارع المهول هو مسألة (نكون أو لا نكون)، والتجارب حولنا كثيرة، وقد تحدثنا فيما سبق عن تجربة الصين مع الذكاء الاصطناعى، والغريب مثلا أن التعامل مع الذكاء الاصطناعى فى جامعاتنا مازال يمضى فى إطارين لا ثالث لهما، إما فى ضوء الحاسبات وهو مختلف كليا عن الحاسبات وعلوم الكمبيوتر، وإما فى إطار من النقاش المجتمعى العام، والاثنان بعيدان عن جوهر هذا المجال وعلومه التأسيسية.

الشباب.. الاستثمار الرابح
التعليم وسوق العمل
المشككون يمتنعون






