خارج النص

العبور الثالث

  د. أسامة السعيد
د. أسامة السعيد


القيادة الاستراتيجية.. المبنى والمعنى

إن بناء الدول لا يتحقق بالأمنيات، بل بالرؤية الثاقبة، والتخطيط العلمى السليم، والعمل المخلص، والاصطفاف الوطنى خلف راية واحدة.«لا تتجلى القوة الروحية والمادية لأمة ما، فى قدرتها على خوض الحروب فحسب، بل فى عبقريتها من أجل صياغة «عقل استراتيجى» يسبق التهديد بخطوة، ويُدير الأزمات بكفاءة الإبصار الشامل وسط الضباب».
هكذا حدد داهية الاستراتيجية الأمريكية «هنرى كيسنجر» مفهومه للقيادة الجيوسياسية، وهو فى هذا الصدد يتوافق مع داهية أمريكى آخر هو «زبيجنيو بريجينسكى»، والذى يُعتبر العقل المدبر لسياسات أمريكا خلال فترة «الحرب الباردة» ضد الاتحاد السوفيتى، وصاحب الكتاب الأشهر «رقعة الشطرنج الكبرى»، يقول بريجينسكى: إن «قوة الأمم لا تُقاس بمساحة جغرافيتها، بل بقدرة عقلها الاستراتيجى على التنبؤ، والقيادة، والسيطرة فى عالم مضطرب».
نعم، هذه هى الحقيقة، القوة الأهم لا تكمن فى قوة الجسد أو ضخامة العضلات، بل فى قدرة العقل على إدارة ذلك الجسد، وتطويعه ليكون خفيف الحركة، سريع الاستجابة، قادرًا على اتخاذ القرار الصحيح فى التوقيت المناسب، وهكذا أيضًا قوة الأمم وكفاءة الدول، فى سرعة استجابتها للتحديات، ومقدرتها على الفهم الصحيح للواقع، ووضع سيناريوهات مبنية على بيانات ومعلومات دقيقة تضع أمام صانع القرار كل مسارات التحرك؛ ليختار من بينها الأصلح والأنسب فى التوقيت الملائم.
واليوم، وبينما تعيد مصر بناء قدراتها الذاتية، وتجدد مؤسساتها، وترتب أوراقها، وترمم كثيرًا من تراكمات السنين والأحداث التى تركت شروخًا وندوبًا فى جدار الوطن، لا يكمن التحول الأكبر فى مشروع الدولة للعمران فحسب فى بسط أدوات البناء فى كل ربوع الوطن، وتحسين مستوى الحياة لجموع المواطنين، وتعظيم موارد الدولة زراعيًا وصناعيًا وعلميًا وتكنولوجيًا، بل التحول الأبرز -فى تقديرى- هو إعادة بناء الإنسان القادر على إدارة تلك الموارد، وتعزيز كفاءة استخدامها، وأيضًا فى إعادة بناء «عقل الدولة» وتحديث بنية المؤسسات الوطنية، ليس فقط على مستوى المبانى والتقنيات، ولكن الأهم على مستوى القدرة على التفكير العلمى واتخاذ القرار السليم، وتقليص مساحات العقل البيروقراطى الذى يتحكم فى أداء تلك المؤسسات؛ لينتقل إلى مرحلة «الإدارة الذكية» التى تعتمد على كفاءات بشرية مدربة ومؤهلة وتجيد استخدام أدوات العصر، وبيئة عمل توفر تلك الأدوات التى تختصر الزمن وتوسع دائرة الخيارات المتاحة.
■ ■ ■
فى قلب تلك الرؤية الشاملة لإعادة بناء الدولة المصرية وفق مشروع وطنى عملاق يقوده الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ تحمل المسئولية قبل 12 عامًا، يأتى افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد للدولة المصرية، الذى لم يكن مجرد احتفالية بانتقال جغرافى أو مكانى من قاهرة المعز إلى قلب العاصمة الجديدة، ولم يكن بأى حال من الأحوال مجرد نقلة إنشائية أو طفرة معمارية تضاف إلى سجل المشروعات القومية. إن القراءة المتعمقة لهذا الصرح تتجاوز حدود الاعتبارات الإنشائية أو الإمكانات الفنية؛ لتنفذ إلى جوهر فلسفة الحكم، وإعادة هندسة القوة المصرية.
إننا أمام إعلان تاريخى عن «تجديد عقل الدولة المصرية»، وولادة ورقة قوة استراتيجية فائقة التأثير، تمثل ذروة تحول الدولة من الإدارة البيروقراطية التقليدية إلى السيادة الرقمية والسيبرانية الفائقة. 
هذا التحول يعكس إدراكًا عميقًا من القيادة المصرية بأن طبيعة الصراعات فى القرن الحادى والعشرين لم تعد تعتمد على الحشود العسكرية التقليدية وحدها، بل باتت تُدار بصراع العقول، وتحليل البيانات، والقدرة على السيطرة والقيادة اللحظية (Real-Time Command and Control).
لكى نفهم الأبعاد الحقيقية لأهمية هذا الحدث الكبير، ولماذا توليه الدولة كل ذلك الاهتمام، علينا العودة بنظرة تحليلية إلى نقطة الانطلاق الاستراتيجية: ثورة 30 يونيو 2013، التى لم تكن -تلك الثورة- مجرد حراك شعبى لإنقاذ الهوية الوطنية من الاختطاف، بل كانت «زلزالًا تصحيحيًا» وضع حدًا لتآكل مؤسسات الدولة الذى استمر لعقود. 
لم يكن التحدى الذى واجهته ثورة المصريين مجرد التخلص من حكم أسود لجماعة فاشية تستخدم الدين ستارًا وأداة للسيطرة والخداع، بل الأهم أنه وضع من يدركون حقيقة الموقف أمام صورة قاتمة لتراجع قدرات معظم مؤسسات الدولة على القيام بأدوارها الحيوية، والارتكان لفلسفة «إدارة الدولة يوم بيوم» بعيدًا عن أى رؤية استراتيجية للتطوير أو التعامل مع المستقبل، فضلاً عن استكانة الدولة لأسلوب «الجزر المنعزلة» فى إدارة العمل، وكانت تلك المشكلات سببًا رئيسًا فى ارتباك الدولة أمام ما حدث فى يناير ٢٠١١، بدت الدولة غير قادرة على الفعل، مهترئة القدرة على استباق الأحداث واتخاذ خطوات مبنية على تحليل دقيق للواقع، فكانت النتيجة انهيار النظام وفقدان القدرة على السيطرة، ولولا وجود المؤسسة العسكرية لواجهنا مصيرًا لا تُحمد عقباه.
فى أعقاب ثورة ٣٠ يونيو تولدت قناعة جادة بأن ثوب أداء الدولة بات مليئًا بالثقوب التى لا تفلح معها محاولات الترقيع، وأن الأمر يتطلب رؤية مختلفة وطرحًا شجاعًا وخطة طموحة لإدارة عملية تغيير شاملة، لكنها هادئة، تحقق التحول المنشود دون أن تؤدى إلى الاضطراب، تقود ثورة فى الفكر والقدرة على الفعل دون التسبب فى ارتباك.
هكذا انطلقت الدولة المصرية فى عهد «الجمهورية الجديدة» بناءً على فلسفة استراتيجية صارمة صاغها الرئيس عبد الفتاح السيسي، مفادها: «لا تنمية مستدامة بلا قوة تحمي، ولا قوة حقيقية بلا عقل رشيد يُوجهها»، فتبنت مصر منذ عام 2014 مسارات متوازية تتسم بالجرأة، حيث خاضت معركة البناء الاقتصادى وتحديث البنية التحتية بالتزامن مع أكبر عملية لتطوير وتحديث القوات المسلحة فى تاريخها الحديث، دون أن تتوقف الدولة عن مجابهة أخطر التحديات الأمنية والاستراتيجية: الإرهاب على أراضيها، والحرائق المشتعلة على جبهاتها الاستراتيجية الأربع. 
انطلقت أيادى البناء والعمران تشق قناة السويس الجديدة، وتدشن الشبكة القومية للطرق، تستصلح ملايين الأفدنة، وتبنى المدن الذكية، تشيد المدارس والجامعات، وتطلق مشروعات الحماية الاجتماعية، وتفتح أبواب الأمل والحياة الكريمة لملايين المواطنين.
 لم تكن تلك الملفات على أهميتها وحيويتها، تُرى فى العقل المصرى الجديد كملفات اقتصادية بحتة، بل كخطوط دفاع استراتيجية وعناصر «قوة شاملة» تُدار وتُؤمَّن عبر منظومات متكاملة من الإدارة الوطنية المتجانسة للدولة المصرية، وكلما اتسع نطاق التنمية احتاج الأمر أكثر لمنظومة إدارة وحوكمة أكثر كفاءة ويقظة.
أضف إلى ذلك أن تحديات الإقليم والعالم من حولنا لم تمنحنا لحظة واحدة، لكى نركن إلى الهدوء والراحة، بل فرضت على الدولة المصرية العمل تحت ضغط الأحداث المتلاحقة والأزمات المشتعلة، ما ضاعف من خطورة اتخاذ القرار، وفرض مسئولية أكبر على متخذه، فلا مجال لخطأ، ولا فرصة لتوان، ولا مجال لتأجيل البناء. 
■ ■ ■
ويأتى تدشين هذا العقل الجديد للدولة المصرية عبر القيادة الاستراتيجية فى توقيت يمر فيه إقليم الشرق الأوسط بأعنف موجة تحولات جيوسياسية منذ اتفاقيات «سايكس بيكو»، فالخريطة الإقليمية المحيطة بمصر لم تعد خريطة دول مستقرة، بل تحولت إلى فضاءات من «السيولة الأمنية» والاضطرابات المزمنة، وتداخلت فيها أدوار القوى الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق، وسط صراعات مفتوحة على الطاقة، والنفوذ، والممرات المائية.
فى هذا المحيط المضطرب، تواجه مصر تحديًا فريدًا، فهى تكاد تكون «جزيرة الاستقرار الوحيدة» فى منطقة تقف فيها الكثير من الدول أمام «مقصلة الفشل»، والميليشيات المسلحة عابرة الحدود، والحروب بالوكالة تحول المنطقة إلى ساحة قتال مفتوحة على كل الاحتمالات. 
هنا تبرز قيمة «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» كأداة ردع جيوسياسية فائقة القدرة، فهو ليس مبنى للدفاع، بل هو «مركز ثقل» لإدارة التوازن الإقليمى، يبعث برسالة حاسمة لكافة الأطراف: إن مصر تمتلك فائضًا من القوة والتنظيم يتيح لها ليس فقط حماية حدودها، بل وصياغة معادلات الأمن فى المنطقة.
إن العبء الأكبر الذى يقع على عاتق القيادة الاستراتيجية المصرية الجديدة هو إدارة «التهديدات المتزامنة» على المحاور الاستراتيجية الأربعة، وهو وضع جيوعسكرى شديد التعقيد نادرًا ما واجهته دولة عبر التاريخ، وهو ما يحتم على الدولة إيجاد الرابط العضوى والشبكة العصبية التى تحقق التنسيق والانسجام بين مختلف مؤسسات الدولة وأدوات حماية الأمن القومى للعمل بكفاءة فى أية ظروف وتحت أى ضغط.
القيادة الاستراتيجية للدولة لا تعتمد فقط على أحدث التقنيات، بل تقوم بالأساس على الاستفادة من أنبغ العقول المصرية التى تم تأهيلها وتدريبها وفق أرقى المعايير العالمية؛ لتكون مثالاً لما يمكن أن يقدمه الإنسان المصرى إذا ما توافرت له الفرصة للتعلم والبيئة المناسبة للعمل والإبداع.
ومن ثم، فإن تلك القيادة الاستراتيجية الجديدة عنوان مهم لفهم «عقل الدولة» الجديد، الذى يعتمد على تعزيز كفاءة الفرد، وتوفير فرص التعلم والتأهيل المناسبة، بل والراقية له؛ لكى يمتلك أدوات الإتقان وأداء مهامه بأعلى كفاءة، فيمكن لعدد محدود من الأفراد يمتلكون الدراية والكفاءة المناسبة، وتتاح لهم الأدوات والقدرات التقنية الحديثة أن يحققوا نتائج لا يستطيع أضعاف هذا العدد أن يحققوه، بل إن كثرة العدد وضعف المنظومة غالبًا ما يؤديان إلى البيروقراطية وانخفاض جودة وسرعة القدرة على اتخاذ القرار، وهو ما لا يكتفى «عقل الدولة» الجديد فى القيادة الاستراتيجية برفضه وتغييره، بل يقدم النموذج البديل للكفاءة المستند إلى جودة العنصر البشرى، وتطور التقنية المستخدمة.
■ ■ ■ 
القيادة الاستراتيجية الجديدة، وكما شرح الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال الافتتاح المهيب لها، تضمن ألا يتم فرض واقع معين على أداء مؤسسات الدولة المصرية ليخرج قرارها مشوشًا بالخوف، أو تحت ضغط التهديد، بل إن تلك القيادة الاستراتيجية تتيح لصانع القرار المصرى أن يعمل وفق رؤية علمية محكمة وبأدوات ترى الواقع بموضوعية كاملة وبشبكة معلومات محدثة من مختلف الجهات، الأمر الذى يجعله ممسكًا بكل الخيوط وقادرًا على إدارة الموقف إدارة شاملة.
الإدارة المتكاملة للدولة عبر القيادة الاستراتيجية أيضًا توفر قدرة استثنائية على التنسيق بين جهود مختلف المؤسسات التى تعمل على مدار اللحظة لحماية الأمن القومى المصري، بداية من مراقبة وضبط الحدود، مرورًا بأجهزة المعلومات ورصد التهديدات والشائعات، وصولاً إلى التنسيقات رفيعة المستوى بين أجهزة الدولة المعنية (المدنية والعسكرية) للتعامل مع هذه الملفات الحيوية باعتبارها قضايا وجودية لا تقبل المساومة ولا تحتمل التأخر فى اتخاذ القرار.
ولا يقتصر دور العقل الاستراتيجى المصرى على مواجهة التهديدات الأمنية والمخاطر المادية فقط، بل يمتد ليتعامل مع نمط جديد من الحروب: حروب الجيلين الخامس والسادس، وهى الحروب التى لا تُستخدم فيها المدافع، بل تُستخدم فيها الشائعات، وتزييف الوعي، والهجمات السيبرانية، وتفكيك الجبهات الداخلية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
المواجهة الشاملة للتهديدات تتعامل كذلك مع محاولات التشويه والتضليل، إذ انتقلت الحرب على الإرهاب من مجرد المواجهة الأمنية فى الميدان إلى المواجهة الفكرية والمعلوماتية، وهو ما تطلب أن يحتوى مقر القيادة الاستراتيجية كذلك على مراكز متطورة لإدارة الأمن السيبرانى وتحليل البيانات الضخمة (Big Data). 
كما يتم عبر هذا الصرح رصد الهجمات الرقمية الموجهة ضد مؤسسات الدولة، وتحليل اتجاهات الرأى العام، وإفشال مخططات حروب المعلومات التى تستهدف الثقة بين الشعب ومؤسساته، مما يجعل المقر درعًا واقيًا لعقول المصريين قبل حدودهم.
■ ■ ■
أعجبنى خلال الحفل المهيب بافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة فى العاصمة الجديدة، استخدام تعبير «العبور الثالث» لتوصيف أهمية الحدث، ووضعه فى سياقه الصحيح، فالعبور الأول (أكتوبر 1973) كان عبورًا عسكريًا مجسدًا للعبقرية الهندسية والقتالية، حيث عبرت القوات المسلحة قناة السويس وتحطمت أسطورة خط بارليف؛ لتقهر مصر الهزيمة وتستعيد الأرض والكرامة وتحقق السلام من موقع القوة.
أما العبور الثانى (30 يونيو 2013) فكان عبورًا وطنيًا وسياسيًا، حيث انحاز الجيش للشعب فى لحظة فارقة من تاريخ الأمة؛ ليعبر بمصر من نفق الفوضى، والتفتيت، وحكم الفاشية الدينية، إلى بر الأمان واستعادة الدولة الوطنية والهوية المصرية.
ويتجسد العبور الثالث فى تدشين عقل الدولة المصرية الجديد، الذى لا تمثله القيادة الاستراتيجية الجديدة بمبناها بل بمعناها، فهذا الحدث الفاصل برهان عملى على أن مصر تجاوزت مرحلة «استعادة الدولة» إلى مرحلة «انطلاق الدولة»، فهو عبور من دولة تواجه الأزمات بردات الفعل، إلى دولة تمتلك أدوات التنبؤ والاستباق. عبر توظيف أدوات العلم الحديث والتحليل السيبرانى والذكاء الاصطناعى الاستراتيجى.
فى هذا العبور الثالث، لا تتحرك القوات المسلحة لتغيير خطوط القتال على الأرض، بل تتحرك الدولة كجسد واحد وكتلة متماسكة؛ لترسيخ مكانة مصر كقوة إقليمية عظمى لا يمكن تجاوزها فى أى ترتيبات إقليمية أو دولية.
افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة يجسد انتقال العسكرية المصرية العريقة إلى مرحلة جديدة فى مسار التحديث والتطوير، حيث تلتقى عراقة تاريخ هذه المؤسسة الوطنية الشامخة مع أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الدفاعية والأمنية فى العالم.
ولم يعد امتلاك قواتنا المسلحة لأحدث تقنيات العصر، ومواكبتها لتطور العلوم العسكرية والاستراتيجية ترفًا، بل ضرورة حتمية تفرضها تقلبات منطقتنا، وما تموج به من أزمات مشتعلة تلقى بظلالها على مختلف اتجاهاتنا الاستراتيجية.
كما أن ذلك التطوير المتواصل لإمكانات قواتنا المسلحة يعزز من قدرتها على حماية مقدرات الشعب وصون مصالح الوطن العليا.. فى كل وقت.. وفى أى مكان.
■ ■ ■
إن مقر القيادة الاستراتيجية الجديد ليس مجرد إنجاز يضاف إلى سجل الإنجازات العمرانية، بل هو وثيقة إعلان «الجمهورية الجديدة»، جمهورية العلم والعمل والقوة الذكية (Smart Power)، التى تجمع بحنكة وحكمة بين أدوات الردع العسكرى والقوة الصلبة، وبين امتلاك أدوات المعلومات وتوظيف القوة الناعمة.
إنه البرهان الساطع على أن الأمة المصرية الخالدة، التى علمت البشرية فجر الضمير وأرست أسس الحضارة، تمتلك اليوم «العقل المتجدد» القادر على حماية منجزاتها وتأمين مستقبل أجيالها القادمة، فمصر كانت -وستظل- ركيزة الاستقرار الأساسية فى هذه المنطقة المضطربة من العالم. 
وقوة مصر هى قوة للحق، وجيشها يحمى ولا يهدد، يصون السلام ولا يعتدي. 
ومقر القيادة الاستراتيجية الجديد يمثل قلعة من قلاع العسكرية والدولة المصرية الرشيدة، يرفع من كفاءة التنسيق الإقليمى والدولى لمواجهة التحديات المشتركة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة الدولية، وصون الأمن القومى والإقليمى المشترك، كما يعزز الجهود المشتركة لإرساء السلام الشامل والعادل.
إن بناء الدول لا يتحقق بالأمنيات، بل بالرؤية الثاقبة، والتخطيط العلمى السليم، والعمل المخلص، والاصطفاف الوطنى خلف راية واحدة.
وما تحقق على أرض العاصمة الجديدة أكبر من قصة نجاح، إنه ثمرة لرؤية ومنهج عمل، وقدرة على التخطيط والتنفيذ؛ لإرساء شجرة جديدة طيبة فى أرض هذا الوطن الخالد، شجرة مصرية أصلها ثابت راسخ منذ آلاف السنين، وفرعها طموح شجاع يمتد ليعانق عنان السماء.