الموتُ يمرُّ احترامًا لشاعرٍ

الموتُ يمرُّ احترامًا لشاعرٍ
الموتُ يمرُّ احترامًا لشاعرٍ


محب خيرى الجمَّال  

لم يكن خبرُ رحيلك
يشبهُ الأخبارَ التى نقرأها سريعًا ثم نغلقُها كأنها لا تخصّنا.
كان كأنَّ مدينةً كاملةً
أطفأتْ مصابيحها فجأة
وتركتْ الظلالَ وحدها فى الشوارع.
كان ككرسى يُسحبُ فجأة
من تحتِ قلبِ العالم،
فيقعُ العالمُ ولا يفهم لماذا يؤلمه الجلوسُ هكذا.
منذُ الصباح والهواتفُ ترنُّ بخوف،
والأصدقاءُ يتحدثونَ بصوتٍ منخفض
كأنَّ الاسمَ صارَ قابلاً للكسر،
كأنَّ تكرارهُ يُحدثُ شقًّا فى الهواء.
حتى الذين لم يعرفوكَ شخصيًا
شعروا أن شيئًا حميمًا انكسرَ داخلهم،
شيئًا صغيرًا
يشبهُ آخرَ ضوءٍ فى بيتٍ قديم
قبل أن يقرّر النسيانُ أن يسكنه.
يا سيد،
لم تكن شاعرًا فقط،
كنتَ ذلك الرجلَ الذى يدخلُ المقهى
فتشعرُ الطاولاتُ بالخجلِ من وحدتها،
وكأن الكراسى تعتذرُ لأنها فارغةٌ قبلك.
كنتَ تضحكُ
كأنكَ تحاولُ إنقاذَ العالمِ بالنكتة،
لكن فى ضحكتك
كان هناك دائمًا صدعٌ صغير
يتسرّبُ منهُ الليل.
وتكتبُ كأنكَ تغسلُ قلبكَ بالماء،
لكن الماء نفسه كان يخرجُ من الكلماتِ أكثرَ عتمة.
فى «كيف حالك جدًا»
لم تسألْ أحدًا،
كنتَ تضعُ إصبعكَ على جرحِ الحياةِ كلّها،
كأنك تقول:
انظروا… هذا العالمُ لا يتعافى مهما ابتسم.
كان السؤالُ بسيطًا
لكنّه يتركُ الروحَ مفتوحةً
كالنافذةِ فى ليلةِ برد،
حيث يدخلُ الهواءُ ولا يعودُ شىءٌ كما كان.
وفى «يقف احترامًا لسيدة تمر»
كنتَ تمنحُ النساءَ ذلك المجدَ الإنسانى النادر،
لا كحبيباتٍ فقط،
بل كنجاةٍ تمشى على قدمين،
كأنك ترفعُ العالمَ عن أكتافهنَّ لحظةً
ثم تعيدهُ إليهنّ أرقّ مما كان.
أما «أموت ليظل اسمها سرًا»
فكان يشبهُ رجلاً يحفرُ قبرهُ بيديه
ثم يتأكدُ أن الترابَ دافئٌ بما يكفى
ليحفظَ الذاكرة.
و»صباح الخير تقريبًا»
لم يكن كتابًا،
كان جسدًا من الحنين ينامُ على أكتافِ الغرباء
ولا يفيق.
الآن
المقاهى التى كنتَ تجلسُ فيها تبدو ناقصةً،
ليس لأنك غائبٌ فقط،
بل لأن الهواءَ نفسهُ
نسى كيف يمرّ من هناك.
الكراسى فارغة
بطريقةٍ مؤلمة، كأنها تنتظرُ اعتذارًا لن يأتى،
والنادلُ الذى كان يعرفُ قهوتكَ
ينظرُ ناحيةَ الباب
ثم يبتلعُ السؤالَ كلَّ مرة.
يا صديقى،
ثمة شعراءُ كثيرون يكتبونَ قصائدَ جميلة،
لكن قليلين فقط
يتركونَ قلوبهم على الورق بهذا القدر من العرى،
بهذا القدر من الخسارة التى لا تُخفى.
كنتَ تمشى
كأنكَ تعرفُ سرًّا حزينًا عن العالم،
سرًّا يجعلُ كلَّ خطوةٍ
تبدو اعتذارًا للأرض.
ثم حدثَ ما يشبهُ الخيانةَ الهادئة:
اختفى صوتُك من الممرّات،
لا كصوتٍ فقط،
بل كطريقةٍ كاملةٍ لفهم الحياة.
كأنَّ اللغةَ نفسها
قررت أن تُطفئَ مصابيحها فجأة،
وتتركنا نتعثرُ فى عتمةِ المعنى.
حتى الراديو القديم فى بيتك
ظلَّ يكرّر أغنيةً بلا بداية،
كأنَّ الزمنَ نفسه
فقدَ القدرة على تذكّر الجملة الأولى.
والإسكندرية
يا سيد، الإسكندريةُ التى وعدتنى بها
لماذا توعدنى وتخلف الميعاد؟
ألم تقل أننا سنلتقى هناك،
حيثُ يكونُ الحزنُ أخفَّ
والبحرُ أكثرَ صدقًا من البشر؟
كنتَ تقول:
سنعدُّ الموجَ مثل طفلٍ متعب
ونضحكُ لأننا ما زلنا أحياء.
لكن أى بحرٍ هذا الآن
الذى لا يتذكّر أسماءنا
ولا يلتفتُ عندما نناديه؟
الليلة
القاهرةُ متعبة،
كأنها حملتْ كلَّ ما لم نقلهُ يومًا.
النيلُ يجرُّ عتمتَه ببطء،
والشوارعُ أقلُّ كلامًا،
حتى الضوءُ فى النوافذ
يبدو كأنه يعتذرُ عن الوجود.
منذُ رحيلك
صارت القصائدُ أبطأ،
كأنها تمشى حافيةً فوق الزجاج،
واللغةُ أكثرَ وحشة،
كأنها خرجت من بيتها ولم تعد تعرف الطريق.
وكلُّ كلمةِ «حبيبى»
تبدو الآن
كقميصٍ معلّق فى غرفةِ مفقود
ما زال دافئًا،
لكن بلا جسد.
أتعرف؟
ثمّة امرأةٌ الآن تقرأُ لكَ فى العتمة
وتبكى دون سببٍ واضح،
كأن الدموعَ تعرفُ طريقها إليك حتى وأنت غائب.
وثمّةَ شاعرٌ صغير
يمزّقُ قصيدته الليلة
لأنه أدركَ فجأة
أن الشعرَ الحقيقى ليس مهارة،
بل طريقةٌ مؤلمةٌ للبقاء حيًّا.
يا سيد،
الموتُ نفسه مرَّ هذه المرة بخطواتٍ خافتة،
خلعَ حذاءهُ
قبل أن يدخلَ إليك،
وتوقفَ لحظةً على العتبة،
كأنه يعرفُ أنه لا يدخلُ إلى جسدٍ فقط،
بل إلى لغةٍ كاملةٍ كانت تنبض.
كأنه فهمَ أخيرًا
أن الشعراءَ لا يموتون بسهولة،
بل يتحولون إلى فراغٍ دافئ يُربكُ من يمرُّ به.
ولهذا
تركَ بابك مفتوحًا قليلًا،
ومضى
ونسينا أن نغلقه حتى الآن.