لبنان - إسرائيل.. مشهد سياسى جديد فى المنطقة

1 بيروت.. انقسام داخلى.. وجدل حول «المناطق التجريبية»

لحظة توقيع الاتفاق الإسرائيلى - اللبنانى بحضور وزير الخارجية الأمريكى
لحظة توقيع الاتفاق الإسرائيلى - اللبنانى بحضور وزير الخارجية الأمريكى


لم يكن الاتفاق الإطارى الذى وقعته لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية مجرد تفاهم أمنى لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء واحدة من أكثر جولات التصعيد دموية على الحدود الجنوبية، بل شكّل نقطة تحول قد تعيد رسم ملامح المشهد السياسى اللبناني.

ففى بلد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الانقسامات الطائفية والحسابات الإقليمية، لا يمكن النظر إلى أى اتفاق مع إسرائيل باعتباره إجراءً تقنيًا أو عسكريًا فحسب، وإنما باعتباره حدثًا يحمل أبعادًا سياسية وسيادية تمس شكل الدولة، ودور مؤسساتها، ومستقبل سلاح حزب الله، وطبيعة التوازنات التى حكمت الحياة السياسية اللبنانية منذ عام 2006. ولعل ما يميز هذا الاتفاق عن المحطات السابقة أنه يختبر، إلى جانب مستقبل العلاقة مع إسرائيل، قدرة النظام السياسى اللبنانى على إدارة واحدة من أكثر القضايا حساسية فى مرحلة ما بعد الحرب.

ورغم أن الاتفاق جاء فى ظل ضغوط دولية ورغبة أمريكية فى تثبيت الاستقرار على الجبهة الشمالية لإسرائيل، فإنه يضع لبنان أمام مرحلة جديدة تختلف عن كل المراحل السابقة، مع طرح ترتيبات أمنية تدريجية تحت إشراف دولي، ومنح الجيش اللبنانى دورًا محوريًا فى الانتشار جنوبًا، وبدء تطبيق نموذج «المناطق التجريبية» باعتباره اختبارًا عمليًا لإمكان تعميمه على بقية المناطق الحدودية. ومن هنا، فإن نجاح الاتفاق أو فشله لن يقاس بما ورد فى نصوصه، وإنما بقدرته على تجاوز الانقسامات الداخلية التى ظهرت منذ الإعلان عنه.

فمنذ اللحظة الأولى، انقسمت الساحة اللبنانية بين من رأى فى الاتفاق فرصة لإنهاء الحرب وإطلاق إعادة الإعمار واستعادة دور الدولة، وبين من اعتبره تنازلًا سياسيًا وأمنيًا قد يمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية لم تحققها عسكريًا. ويعكس هذا الانقسام رؤيتين لمستقبل لبنان؛ الأولى: تعطى الأولوية للاستقرار وبناء مؤسسات الدولة، والأخرى: تخشى أن تكون الترتيبات الجديدة مدخلًا لإعادة صياغة موازين القوى الداخلية على حساب «المقاومة».

وفى مقدمة الداعمين للاتفاق يقف رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذى أكد أن الاتفاق لا يمثل معاهدة سلام ولا اعترافًا بإسرائيل، بل إطارًا أمنيًا يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وتهيئة الظروف لعودة السكان وإعادة الإعمار.

ويتبنى رئيس الحكومة نواف سلام مقاربة مشابهة، معتبرًا أن نجاح الاتفاق مرهون باستعادة الدولة دورها الأمنى وتعزيز سلطة الجيش. كما أيدت قوى سيادية، وفى مقدمتها القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، الاتفاق باعتباره فرصة لترسيخ سلطة الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني، فيما وصف رئيس حزب الكتائب سامى الجميل الاتفاق بأنه «إنجاز» يعيد للدولة دورها الطبيعي.

فى المقابل، يرى حزب الله أن بعض بنود الاتفاق، وخاصة المتعلقة بالترتيبات الأمنية وآليات الرقابة، قد تتحول إلى وسيلة للضغط على المقاومة وفتح ملف السلاح تحت غطاء تنفيذ الالتزامات الأمنية. وقد وصف الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، الاتفاق بأنه «سقطة مريعة» و«تنازل عن السيادة»، داعيًا إلى التراجع عنه.

كما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برى رفضه للاتفاق بصيغته الحالية، معتبرًا أنه يمنح إسرائيل مكاسب سياسية وأمنية تفوق ما حققته فى الميدان، ووصفه بأنه «أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار»، مؤكدًا أن أى تسوية مستدامة يجب أن تضمن انسحابًا إسرائيليًا كاملًا. كذلك انتقد رئيس الحزب التقدمى الاشتراكى وليد جنبلاط الاتفاق، محذرًا من تداعياته على التماسك الداخلي، بينما تبنى «التيار الوطنى الحر» موقفًا أكثر توازنًا، فرأى أن بعض بنوده تستحق الاعتراض، لكنه حذر فى الوقت نفسه من أن يكون البديل هو استمرار الحرب والاحتلال.

ولا تقتصر الانتقادات على مواقف القوى السياسية، بل تمتد إلى مضمون الاتفاق ذاته. فمنتقدوه يرون أن الغموض الذى يحيط بآليات الرقابة، وحدود الدور الأمريكي، وكيفية التعامل مع أى خرق مستقبلي، قد يمنح إسرائيل مساحة أوسع للمناورة. كما يخشى معارضوه أن يتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل الواقع الأمنى فى الجنوب بصورة تدريجية، بما ينعكس على موازين القوى داخل لبنان، ويعيد فتح ملف السلاح والانقسام حول دور المقاومة.

ويبرز بند «المناطق التجريبية» بوصفه أكثر بنود الاتفاق إثارة للجدل، لأنه يمثل النموذج الذى سيُبنى عليه تنفيذ بقية الترتيبات. ووفقًا للمقترحات المتداولة، تبدأ التجربة فى مناطق مثل فرون والغندورية وزوطر الغربية، حيث ينتشر الجيش اللبنانى بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية، قبل تقييم النتائج وتوسيعها إلى مناطق أخرى. غير أن عدم حسم المواقع النهائية حتى الآن يعكس حجم التعقيدات السياسية والأمنية، ويؤكد أن الخلاف لا يتعلق بأسماء القرى بقدر ما يتعلق بطبيعة النموذج الذى يراد تعميمه على كامل الجنوب.

وتزداد صعوبة تنفيذ هذه الخطة فى ظل الطبيعة الخاصة للجنوب اللبناني، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع البعد الاجتماعى والسياسي، وتوجد بيئة شعبية مؤيدة للمقاومة قد تنظر إلى بعض الإجراءات باعتبارها استهدافًا لها. كما أن أى خرق محدود قد يمنح إسرائيل ذريعة لتعليق التزاماتها أو استئناف عملياتها العسكرية، وهو ما يجعل نجاح «المناطق التجريبية» مرهونًا بدرجة عالية من التنسيق السياسى والأمني، وقدرة الدولة على فرض حضورها دون إثارة صدام داخلي.

وفى الوقت نفسه، يضع الاتفاق الدولة اللبنانية أمام اختبار غير مسبوق. فنجاحه يتطلب قدرة الحكومة والجيش على تنفيذ الالتزامات المترتبة عليه، مع الحفاظ على الاستقرار الداخلى ومنع تحول الخلاف السياسى إلى مواجهة ميدانية. كما أن أى محاولة لربط تنفيذ الاتفاق مباشرة بملف سلاح حزب الله قد تدفع البلاد إلى أزمة سياسية جديدة، بين من يرى أن المرحلة تفرض تعزيز سلطة الدولة، ومن يعتبر أن المساس بالمقاومة يمثل تجاوزًا للثوابت الوطنية.
فى ضوء ما سبق،

لا يبدو أن الاتفاق الإطارى يمثل نهاية للصراع بقدر ما يمثل بداية لمرحلة سياسية جديدة داخل لبنان، ستكون فيها الخلافات الداخلية أكثر تأثيرًا فى مستقبل الاتفاق من بنوده ذاتها. فنجاحه لن يتوقف على التزام الطرفين بما تم الاتفاق عليه،

وإنما على قدرة القوى اللبنانية على إدارة خلافاتها ومنعها من التحول إلى صراع يهدد استقرار البلاد. وستظل «المناطق التجريبية» الاختبار الأول والأكثر حساسية؛ فإذا نجحت فى تعزيز حضور الدولة وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية إلى الجنوب،

فقد تمهد الطريق لمرحلة أكثر استقرارًا. أما إذا تعثرت بفعل الانقسامات الداخلية أو استمرار الخروقات، فقد يتحول الاتفاق من فرصة لإنهاء الأزمة إلى بداية لمرحلة جديدة من التجاذب السياسي، يكون عنوانها الرئيسى الصراع على شكل الدولة اللبنانية ومستقبل توازناتها الأمنية والسياسية.