سميحة شتا
تتعامل إيران مع المفاوضات غير المباشرة الجارية مع الولايات المتحدة باعتبارها مرحلة حاسمة لاختبار مدى استعداد إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للانتقال من التفاهمات السياسية إلى تنفيذ الالتزامات العملية.
فبعد أشهر من المواجهة العسكرية والتوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة فى يونيو 2026، ترى طهران أن نجاح المسار التفاوضى لا يرتبط فقط بمناقشة البرنامج النووي، وإنما أيضاً بحل الملفات التى تمثل بالنسبة لها جوهر الاتفاق، وفى مقدمتها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل إدارة مضيق هرمز،
إلى جانب ضمان استمرار التهدئة فى الساحات الإقليمية، وخاصة لبنان. وبينما يواصل ترامب التأكيد أن العلاقات مع إيران «تسير على ما يرام» وأن المحادثات الأخيرة فى الدوحة كانت إيجابية، فإن الخطاب الإيرانى يعكس قدراً أكبر من الحذر، ويربط أى تقدم سياسى بخطوات تنفيذية ملموسة، مع الإصرار على أن التفاوض لا يزال يجرى عبر الوسطاء وليس من خلال لقاءات مباشرة مع واشنطن.
وجاءت اجتماعات الدوحة لتعكس هذا التباين فى الرؤية بين الطرفين.
ففى الوقت الذى تحدث فيه البيت الأبيض عن اجتماعات جيدة وإحراز تقدم فى المباحثات الفنية، أعلن نائب وزير الخارجية الإيرانى كاظم غريب آبادي، وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، أن الوفد الإيرانى أنهى اجتماعاته مع الوفدين القطرى والباكستانى دون أى لقاء مباشر مع الأمريكيين، وفى المقابل، أعلنت قطر وباكستان أن الجولة انتهت بإحراز «تقدم إيجابي»، مع الاتفاق على مواصلة المحادثات بعد انتهاء مراسم جنازة المرشد الإيرانى على خامنئي، فى مؤشر إلى أن قنوات التواصل لا تزال قائمة رغم استمرار الخلافات الجوهرية.
كما أعلن غريب آبادى الاتفاق على إنشاء قناة اتصال للإبلاغ عن أى انتهاكات لمذكرة التفاهم، فى خطوة تهدف إلى احتواء أى تصعيد ميدانى قد يهدد المسار السياسي.
وتنظر القيادة الإيرانية إلى ملف الأموال المجمدة باعتباره الاختبار الأول لجدية واشنطن. فالرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان أعلن أن الإجراءات الخاصة بالإفراج عن الأموال «جارية»، بينما أكد بقائى أن هذا الملف سيكون فى صدارة المحادثات مع الوسيط القطري.
إلا أن التصريحات القطرية أوضحت أن تحويل الأموال سيظل مرتبطاً بتقدم تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، فيما نقلت شبكة «سى إن إن» عن المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصارى أن الأموال الإيرانية المجمدة لم يتم تحويلها بعد، وأن الإفراج عنها سيتم وفق مسار المفاوضات.
وفى المقابل، نفى مسئولون أمريكيون، بحسب موقع «أكسيوس»، التوصل إلى تفاهم يسمح بالإفراج عن الشريحة الأولى من الأموال، كما نقلت قناة «i24NEWS» عن مسئول أمريكى أن أى أصول لن تُفرج عنها قبل استيفاء شروط الاتفاق، رغم إعلان غريب آبادى أن المباحثات تناولت آلية استخدام جزء من الأموال المجمدة لشراء السلع التى تحتاجها إيران.
ويحمل هذا الخلاف أهمية كبيرة بالنسبة لطهران، لأن الحكومة الإيرانية قدمت الاتفاق للرأى العام باعتباره بداية لاستعادة جزء من الأموال المجمدة وتخفيف الضغوط الاقتصادية. ولذلك فإن استمرار التأخير يمنح التيارات المحافظة فرصة لاتهام الحكومة بأنها قدمت تنازلات استراتيجية دون الحصول على مقابل اقتصادي.
لكن العقبة الأكبر أمام إعلان تفاهم نهائى تبقى مستقبل مضيق هرمز، الذى تحول من قضية أمنية إلى محور الصراع السياسى بين الطرفين. ووفق ما نقلته رويترز عن مصادر إيرانية رفيعة، تعتبر طهران أن الاعتراف بدورها فى إدارة المضيق يمثل مطلباً استراتيجياً لن تتراجع عنه، وأنها لن تنتقل إلى ملفات أخرى قبل التوصل إلى تفاهم بشأن هذه القضية. كما أكدت المصادر أن إيران تعتزم البدء بفرض رسوم على السفن التجارية بعد انتهاء مدة الاتفاق المؤقت إذا لم يتم تمديده، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً فى طريقة إدارة أحد أهم الممرات البحرية فى العالم.
وتعززت هذه الرسائل بعد انتهاء محادثات الدوحة، إذ جددت القيادة العسكرية الإيرانية تحذيرها من أن أى سفينة لا تلتزم بالمسارات التى تحددها طهران فى مضيق هرمز ستواجه «رداً فورياً وقوياً»، كما اعتبرت أن أى تدخل أمريكى فى إدارة أمن المضيق أو أى محاولة لتغيير ترتيباته تمثل تهديداً للسيادة الإيرانية. وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع تأكيد القيادة المركزية الأمريكية التزامها بحرية الملاحة فى المضيق، ما يعكس استمرار التباين بين الرؤية الإيرانية التى تعتبر المضيق جزءاً من أمنها القومي، والموقف الأمريكى الذى يتمسك باعتباره ممراً مائياً دولياً لا يجوز فرض قيود أو رسوم أحادية عليه.
وتستند إيران فى هذا الموقف إلى تفسير تعتبر بموجبه أن موقع المضيق ضمن مياهها الإقليمية يمنحها حق تنظيم حركة السفن واتخاذ الإجراءات التى تراها ضرورية لحماية أمنها القومي. أما الولايات المتحدة، فتتمسك بأن مضيق هرمز يخضع لقواعد حرية الملاحة الدولية، ولا يجوز لأى دولة فرض رسوم أو قيود على العبور، وهو ما يجعل الخلاف يتجاوز البعد السياسى ليصل إلى اختلاف جوهرى فى تفسير القانون البحرى الدولي.
وتتداخل مع هذه الخلافات اعتبارات أمنية وإقليمية أخرى تزيد من تعقيد المفاوضات. فقد أبلغت واشنطن الإيرانيين خلال محادثات الدوحة أنها ستواصل الضغط على إسرائيل لضمان استمرار وقف إطلاق النار فى لبنان، وأن الانسحاب الإسرائيلى من بعض المواقع فى الجنوب قد يشكل بداية لترتيبات أوسع.
إلا أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس بشأن الاستعداد لتنفيذ ضربات جديدة ضد إيران، وإعلان إسرائيل تمسكها بالبقاء فى المناطق التى تسيطر عليها فى جنوب لبنان، عززت الشكوك الإيرانية حول قدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بأى تفاهمات أمنية طويلة الأمد، وهو ما تعتبره طهران جزءاً لا يتجزأ من أى اتفاق نهائي.
ورغم هذه العقبات، فإن المؤشرات الصادرة عن الجانبين تدل على وجود رغبة مشتركة فى منع انهيار المفاوضات. فقد أكد ترامب أن المحادثات «تسير على ما يرام» وأن عملية التوصل إلى اتفاق مستمرة، فيما شددت قطر وباكستان على استمرار الوساطة وتحديد جولة جديدة بعد انتهاء مراسم جنازة خامنئي. وتشير المعطيات إلى أن الطرفين يفضلان إدارة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية بدلاً من العودة إلى المواجهة العسكرية، رغم استمرار التصعيد الإعلامى والتهديدات المتبادلة.
وفى ضوء هذه التطورات، تبدو الرؤية الإيرانية قائمة على مبدأ أن أى اتفاق نهائى يجب أن يحقق مكاسب استراتيجية واقتصادية متوازنة، لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل الإفراج عن الأموال المجمدة، والاعتراف بدور إيران فى ترتيبات الأمن الإقليمي، وتحديد مستقبل مضيق هرمز بطريقة لا تنتقص من نفوذها.
1 بيروت.. انقسام داخلى.. وجدل حول «المناطق التجريبية»
2 تل أبيب.. الجيش لن ينسحب حتى باتفاق مع واشنطن
لندن ضبط العلاقات مع أوروبا بعد عشر سنوات على بريكست






