ماذا لو لم تنقذ ثورة يونيو الفن المصرى ؟

ثورة 30 يونيو
ثورة 30 يونيو


محمد‭ ‬إسماعيل

مثلت ثورة 30 يونيو واحدة من أبرز المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث، ليس فقط على المستوى السياسي، إنما امتدت آثارها إلى مختلف المجالات، وفي مقدمتها الثقافة والفنون، فالفن كان دائما مرآة للمجتمع يتأثر بالمتغيرات السياسية والاجتماعية ويعكسها في أعماله، لذلك يرى كثير من المبدعين أن استعادة الاستقرار بعد الثورة منحت الصناعة الفنية فرصة لاستعادة عافيتها والانطلاق نحو مشروعات ضخمة أعادت لمصر جزء من مكانتها الثقافية.. “أخبار النجوم” طرحت العديد من التساؤلات الافتراضية على عدد من المؤلفين والمخرجين، وهي ماذا كان يمكن أن يحدث للفن المصري لو لم تقم ثورة يونيو؟، وهل كانت الصناعة ستواصل مسيرتها أم كانت ستواجه تحديات أكبر قد تؤثر على الإنتاج والحرية الإبداعية ودور مصر الثقافي في المنطقة؟ ..

في البداية يقول المؤلف محمد حلمي هلال، إن أي صناعة فنية تحتاج أولا إلى مناخ مستقر، لأن المنتج لن يغامر بأمواله والفنان لن يستطيع الإبداع والجمهور لن يفكر في الذهاب إلى السينما أو المسرح إذا كانت الأوضاع غير مستقرة، لذلك فإن ما تحقق بعد ثورة يونيو أتاح فرصة لعودة عجلة الإنتاج بصورة تدريجية، حتى استعادت السينما والدراما جزء كبير من نشاطهما.

ويضيف هلال أن الفن المصري كان يمكن أن يواجه أزمة حقيقية لو استمرت حالة الاضطراب، لأن الصناعة تعتمد على استثمارات ضخمة تحتاج إلى بيئة آمنة، كما أن تصوير الأعمال الفنية يتطلب تعاون بين جهات عديدة، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الفوضى وعدم الاستقرار،

ويرى هلال أن السنوات الأخيرة شهدت إنتاج أعمال وطنية وتاريخية ضخمة أعادت تقديم محطات مهمة من تاريخ مصر، وهو أمر يؤكد أن الاستقرار ينعكس مباشرة على نوعية المشروعات التي يتم تنفيذها، موضحا أن الفن لا يقتصر على الترفيه فقط، إنما يسهم أيضا في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء، لذلك فإن الحفاظ على استقرار الدولة يظل عنصر أساسي لاستمرار هذه الرسالة.

أما المخرج محمد فاضل فيقول أن مصر كانت ولا تزال صاحبة الريادة الفنية في المنطقة العربية، وأن الحفاظ على هذه المكانة يحتاج إلى دولة قوية ومستقرة تدرك قيمة القوة الناعمة، لأن الفن ليس مجرد وسائل ترفيه، وإنما أدوات لبناء الوعي وتقديم صورة مصر الحضارية.

ويضيف فاضل إن السنوات الماضية شهدت اهتمام متزايد بإنتاج أعمال تستعيد التاريخ المصري وتناقش قضايا المجتمع بصورة أعمق، وهو ما يعكس إدراك لأهمية الفن في تشكيل الوعي العام، مؤكدا أن هذه المشروعات تحتاج إلى إمكانات كبيرة لا يمكن توفيرها إلا في ظل استقرار المؤسسات.

من جانبه يقول المؤلف محمد سليمان عبد المالك إن الكاتب يتأثر دائما بالواقع الذي يعيش فيه، وكلما كان المجتمع أكثر استقرار ازدادت قدرة المؤلف على تقديم أعمال متنوعة تناقش قضايا المجتمع بعيدا عن الانشغال بالأزمات اليومية، لأن الإبداع يحتاج إلى مساحة من الهدوء والتخطيط.

ويضيف عبد المالك أن السينما والدراما المصرية شهدتا خلال السنوات الماضية توسع في تقديم الأعمال التاريخية والوطنية والاجتماعية، وهو ما يعكس وجود مناخ يسمح بتعدد الموضوعات وعدم تقييد الإنتاج على نوع واحد من الأعمال.

ويؤكد عبد المالك أن السؤال حول ما كان سيحدث لو لم تقم الثورة يبقى افتراضيا، لكن المؤكد أن أي صناعة فنية لا تستطيع النمو في بيئة يسودها الاضطراب، لأن الفن يرتبط بالاقتصاد والسياحة والاستثمار وثقة المنتجين، وكلها عناصر تتأثر بحالة الدولة واستقرارها، لذلك فإن استمرار حركة الإنتاج كان سيصبح أكثر صعوبة، وهو ما كان سينعكس على فرص العمل وعلى حضور الفن المصري عربيا.

ويشير عبد المالك أن استقرار الدولة بعد ثورة يونيو كان عامل رئيسي في عودة عجلة الإنتاج الفني بقوة، لأن السينما صناعة تعتمد على الاستثمار والثقة في المستقبل، فالمنتج لا يغامر بملايين الجنيهات إذا كانت الأوضاع غير مستقرة، لذلك شهدت السنوات التالية تنفيذ أعمال ضخمة من حيث الميزانيات والتقنيات، والجمهور أيضا عاد إلى دور العرض تدريجيا، وهو ما شجع الشركات على رفع سقف الطموح والرهان على أفلام تنافس عربيا بعدما كانت الأولوية في فترات الاضطراب تقتصر على تقليل المخاطر وتأجيل المشروعات الكبرى.

أما السيناريست محمد عبد المعطي فيقول أن العلاقة بين الفن والسياسة معقدة بطبيعتها، لكن المؤكد أن أي حركة فنية تحتاج إلى مناخ يسمح بالإنتاج والاستمرار، لأن الصناعة لا تقوم فقط على الأفكار، إنما تعتمد أيضا على وجود سوق مستقرة وجمهور قادر على دعمها.

ويضيف عبد المعطي أن الفن المصري مر عبر تاريخه بمحطات عديدة تأثر فيها بالمتغيرات السياسية والاجتماعية، لكنه استطاع في كل مرة أن يعبر عن المجتمع ويطرح أسئلته المختلفة وهو ما يجعل قوة الفن الحقيقية في قدرته على مواصلة الحوار مع الجمهور مهما تغيرت الظروف، لذلك فالحفاظ على ازدهار الصناعة يحتاج دائما إلى دعم التعليم والثقافة وتشجيع المواهب الجديدة، لأن مستقبل الفن لا يتوقف فقط على الظروف السياسية، وإنما يرتبط أيضا بوجود مؤسسات قوية قادرة على اكتشاف المبدعين وتطوير الصناعة بما يتناسب مع المتغيرات العالمية، مشيرا إلى أن الاستثمار في الثقافة يظل استثمار في مستقبل المجتمع كله.

ويرى عبد المعطي أن من أهم النتائج التي انعكست على الفن اتساع مساحة الإنتاج وتنوع الأفكار، لأن الصناعة أصبحت قادرة على تقديم أفلام تجارية وأخرى تاريخية ووطنية واجتماعية في الوقت نفسه، وأن الأعمال ذات الميزانيات الضخمة مثل “ولاد رزق 3” و  “7 Dogs” تعكس قدرة السوق على جذب استثمارات كبيرة، وهو ما لم يكن سهلا في ظل أجواء عدم الاستقرار ووجود مؤسسات إنتاج قوية وسوق نشطة يمنح المبدعين فرصة لتقديم أعمال تنافس على المستوى الإقليمي وتعيد للسينما المصرية مكانتها.

ويختتم عبد المعطي حديثه بالتأكيد على أن الفن المصري يمتلك تاريخا طويلا وقدرة كبيرة على التجدد، وأن استمرار هذه المكانة يتطلب الحفاظ على بيئة مستقرة تشجع الإبداع وتفتح المجال أمام تنوع الأفكار والرؤى، لأن قوة مصر الناعمة كانت وستظل أحد أهم عناصر تأثيرها داخل المنطقة العربية.

اقرأ  أيضا: سامح الصريطي: 30 يونيو ثورة شعب.. والقوات المسلحة لبّت إرادة المصريين

;