ليست قيمة الكتب بما تحققه من انتشار لحظة صدورها، وإنما بقدرتها على أن تبقى حاضرة بوصفها مرجعًا يُستعاد كلما دعت الحاجة إلى قراءة مرحلة من التاريخ أو فهم تحولاتِها، ومن هذا المنطلق يكتسب كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن» أهميته، ليس لأنه يتناول شخصية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وإنما لأنه يتخذ من تلك الشخصية مدخلًا لقراءة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا وتأثيرًا فى التاريخ المصرى الحديث.
ولا تنبع خصوصية الكتاب من موضوعه فحسب، بل من المنهج الذى اختاره فى معالجة تلك المرحلة؛ إذ ينطلق من أن الشخصيات التى تصنع لحظات التحول لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الذى أفرزها، وأن القرارات المفصلية لا تُفهم إلا بردها إلى ظروفها التاريخية والسياسية، ومن ثم لا يقدم العمل سردًا لسيرة فرد، بقدر ما ينسج رواية متكاملة تتقاطع فيها مسيرة القائد مع مسيرة الوطن.
وفى هذا الإطار، لا يكتفى الكتاب بتسجيل ما جرى، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تفسيره، من خلال إعادة قراءة الوقائع فى ضوء خلفياتها السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
يبدأ الكتاب من سنوات التكوين الأولى للرئيس عبدالفتاح السيسي، إدراكًا منه أن الشخصيات التى تقود لحظات التحول لا يمكن فهمها من نقطة وصولها إلى السلطة، وإنما من المسار الذى تشكلت عبره، لذلك يعود بنا الكتاب إلى بداية النشأة والمراحل العسكرية والمهنية التى أسهمت فى بناء الشخصية، بوصفها المدخل لفهم أسلوبها فى التفكير، وطبيعة إدارتها للأزمات، وآلية اتخاذ القرار، انطلاقًا من أن الخبرات المتراكمة والانضباط المؤسسى يشكلان الخلفية التى تسبق اللحظات الفارقة فى حياة القادة.
ومن هذا المدخل، ينتقل الكتاب إلى واحدة من أكثر المحطات حساسية فى تاريخ الدولة المصرية، وهى السنوات التى سبقت ثورة 30 يونيو وما أعقبها.
وفى معالجته لأحداث الثلاثين من يونيو، لا يتوقف الكتاب عند حدود الأزمة أو لحظة تجاوزها، بل ينظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق لمسار جديد فى بناء الدولة، ومن هنا يواكب التحول من إدارة التحديات إلى إعادة بناء المؤسسات، مستعرضًا ما شهدته البلاد من تنمية.
لا يعرض الكتاب هذه الملفات باعتبارها إنجازات متفرقة أو أرقامًا مستقلة، وإنما يربط بينها فى إطار رؤية متكاملة، تقوم على أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق عبر مسار واحد، بل من خلال منظومة تتكامل فيها اعتبارات الأمن مع متطلبات التنمية، ويتداخل فيها التخطيط الاقتصادى مع مفهوم الأمن القومي، لتصبح مشروعات البنية الأساسية جزءًا من رؤية استراتيجية شاملة، لا مجرد مشروعات خدمية.
ويتوقف الكتاب عند واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا فى تلك المرحلة، وهى معركة الدولة المصرية ضد الإرهاب، ولا سيما فى سيناء، مقدمًا قراءة تتجاوز البعد الأمنى إلى رؤية أشمل تربط بين العمليات العسكرية وجهود التنمية.
كما يرصد تطور السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، وكيف استعادت مصر مكانتها وحضورها العربى والإفريقى والدولي، وما تبنته من سياسة تقوم على تنويع الشراكات، والحفاظ على استقلال القرار الوطني.
لا تقتصر أهمية الكتاب على تنوع الموضوعات التى يتناولها، وإنما تمتد إلى المنهج الذى بُنى عليه؛ إذ يستند إلى قاعدة واسعة من الوثائق والخطب والبيانات والمصادر الأصلية، التى لم تُوظف بوصفها مادة توثيقية مستقلة، وإنما جاءت جزءًا من البناء العام للرواية التاريخية.
وفى هذا السياق، لا تفرض الوثيقة حضورها على حساب السرد، ولا يطغى السرد على قيمة الوثيقة، بل يتكامل الاثنان فى بناء نص يجمع بين الدقة التوثيقية والانسيابية التحريرية، بما يحقق التوازن. ويتميز الكتاب بمخاطبته شرائح متعددة من القراء.
وإذا كانت قيمة أى عمل توثيقى تُقاس بقدرته على البقاء مرجعًا يتجاوز لحظة صدوره، فإن هذا الكتاب يراهن على ما يقدمه من وثائق وشهادات وقراءات متكاملة، فى إطار مشروع يستهدف حفظ ذاكرة مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة المصرية.
حصن مصر المنيع وسياجها العصىَ.. قوات الدفاع الجوى تحتفل بعيدها الـ 56
«الكهرباء».. إنجازات أنـارت مصـر
«البترول».. تأمين إمداد المصانع ومحطات الكهرباء بالطاقة






