لا نأسف للإزعاج

إســـلام عفيفى يكتب: 3 يوليو.. بيان «تشييع الجماعة»

إســـلام عفيفى
إســـلام عفيفى


يحتفل المصريون بثورة 30 يونيو، لأنها كانت يوم خروج الإرادة الشعبية إلى الشارع، ويوم إعلان أن مصر ليست ملكًا لجماعة، ولا رهينة لتنظيم، ولا ساحة مفتوحة لمشروع يتجاوز حدود الدولة وهويتها، لكن إذا كان 30 يونيو هو يوم الحشود، فإن 3 يوليو كان يوم الفصل، اليوم الذى تحولت فيه صرخة الملايين إلى قرار، وتحول فيه الغضب الشعبى إلى خريطة مستقبل، وانتهت فيه مرحلة كاملة كانت الجماعة تتصور أنها باقية لمجرد أنها وصلت إلى الحكم.

ببيان ٣ يوليو الذى استغرق سبع دقائق و٣٩ ثانية، تغيَّر وجه مصر، وتغيّرت معها حسابات الشرق الأوسط كله، لم يكن البيان الذى ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسى مجرد إعلان سياسى، ولا مجرد استجابة لحدث رغم ضخامته، كان بيانًا يعيد تعريف العلاقة بين الشعب والدولة، وبين الشرعية والصندوق، وبين السلطة والوطن، وكان فى جوهره، إعلانًا بأن مصر لن تسمح لجماعة أن تختطف الدولة باسم الانتخابات، أو تستخدم الشرعية الشكلية ستارًا لاحتكار القرار وإقصاء المجتمع.

افتتح البيان من النقطة الأهم: أن القوات المسلحة لم تستطع أن تصم آذانها أو تغض بصرها عن حركة الجماهير، وهذه العبارة لم تكن مجرد تمهيد، بل تأسيس للشرعية التى انطلق منها البيان، مصدر الحركة لم يكن مؤسسة مغلقة، بل الشارع، ومصدر النداء لم يكن نخبة سياسية، بل الملايين، لذلك شدد البيان على أن الدور الذى طُلب من القوات المسلحة لم يكن دورًا سياسيًا، بل دورًا وطنيًا لحماية مطالب الثورة ومنع الدولة من الانزلاق إلى الفوضى.

هذه النقطة ضرورية لفهم ما حدث، المصريون لم يطلبوا من السيسى سلطة شخصية، بل طلبوا حماية الدولة، ليمنعوا جماعة من تحويل الوطن إلى امتداد لتنظيمها، ولذلك كان البيان حريصًا على تأكيد أن القوات المسلحة بعيدة عن العمل السياسى، وأنها استجابت لنداء خدمة عامة لا لمشروع حكم.

ثم انتقل البيان إلى كشف ما سبق لحظة الحسم، لم يقدم 3 يوليو باعتباره قرارًا وُلد فجأة، بل نتيجة مسار طويل من المبادرات التى قُوبلت بالرفض، ذكر محاولات الحوار والمصالحة الوطنية منذ نوفمبر 2012، والدعوات التى استجابت لها قوى سياسية ثم تراجعت عنها مؤسسة الرئاسة فى اللحظة الأخيرة، وعروض تقدير الموقف التى تضمنت المخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

وهنا تظهر مسئولية الجماعة عن نهايتها، لم تكن الأزمة مفاجئة، ولم تكن أبواب الحل مغلقة منذ البداية، كان ممكنًا للجماعة أن تكون جزءًا من الوطن، وأن تعمل تحت مظلته، وأن تقبل بقواعد الدولة والتعدد والتوافق، كان ممكنًا أن تتصرف كقوة سياسية، لا كتنظيم يعتقد أنه فوق المؤسسات، لكنها اختارت العكس: الانغلاق، ورفض التوافق، واحتكار القرار، والتعامل مع مؤسسات الدولة كخصوم يجب إخضاعهم، لا كأعمدة وطن يجب احترامها.

الجماعة لم تُقصَ من المجال الوطنى لأنها جماعة دينية أو لأنها فازت فى انتخابات، بل لأنها رفضت أن تتحول من تنظيم سرى إلى حزب سياسى طبيعى، ظلت أسيرة منطق الخفاء والولاء التنظيمى والسمع والطاعة، وأبقت نفسها فى منطقة ملتبسة بين السياسة والتنظيم المغلق، وحين وصلت إلى السلطة، لم تفهم أن إدارة الدولة تختلف عن إدارة الجماعة، وأن الوطن لا يُحكم بمنطق الحلقة التنظيمية، ولا يمكن اختصار شعب متنوع فى جمهور خاضع لمبدأ السمع والطاعة.

لهذا فإن 3 يوليو كان، فى الحقيقة، يوم تشييع مشروع الجماعة إلى مثواه الأخير سياسيًا، لم يكن دفنًا لفكرة دينية أو إقصاءً لمواطنين، بل دفنًا لوهم أن التنظيم يمكنه ابتلاع الدولة، المصريون قرروا أن يدفنوا مشروع الأخونة، وأن يدفنوا معه كل محاولة لإعادة تعريف مصر على مقاس جماعة، أو تحويل مؤسساتها إلى أدوات فى يد تنظيم.

والأدق أن الجماعة هى التى اختارت أن تقصى نفسها، البيان نفسه تحدَّث عن خارطة لا تُقصى أحدًا من أبناء الوطن وتياراته، دعا إلى مصالحة وطنية، وفتح المجال أمام كل الأطياف، وتشكيل حكومة كفاءات، ولجنة لمراجعة الدستور، وتمكين الشباب، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، أى أن الباب، من حيث المبدأ، لم يكن مغلقًا أمام المشاركة، لكنه كان مشروطًا بالعودة إلى أرضية الدولة والوطن.

كان المطلوب ببساطة أن تقبل الجماعة بأنها جزءٌ من الوطن وليست الوطن كله، أن تعمل تحت سقف القانون، لا فوقه، أن تتحول إلى تيار سياسى، لا إلى كيان موازٍ للدولة، لكنها بدلًا من ذلك اختارت الاستمرار فى خطاب المظلومية، والرهان على الخارج، والتحريض، وإنكار حجم الغضب الشعبى، ثم دخلت فى مسار جعلها أكثر ابتعادًا عن المجتمع وأكثر التصاقًا بفكرة الصدام.

وهنا يتحول البيان من وثيقة إنهاء مرحلة إلى وثيقة تأسيس مستقبل، القرارات التى أعلنها لم تكن إجراءات فراغ، بل ملامح انتقال منظم: تعطيل مؤقت للدستور، تولى رئيس المحكمة الدستورية العليا إدارة المرحلة الانتقالية، انتخابات رئاسية مبكرة، حكومة كفاءات، مراجعة دستورية، انتخابات برلمانية، ميثاق شرف إعلامى، تمكين الشباب، ومصالحة وطنية.

هذه العناصر تكشف أن البيان لم يكن هدفه إزالة شخص فقط، بل إعادة بناء المجال السياسى على أسس جديدة، كان المطلوب إنهاء حالة الانقسام، وإعادة تشغيل المؤسسات، ومنع الفراغ، وإعادة إنتاج الشرعية عبر مسار انتخابى جديد، ولهذا كان 3 يوليو يومًا حاسمًا؛ لأنه لم يكتفِ بإعلان نهاية، بل رسم بداية.

حتى التحذير من العنف كان جزءًا من فلسفة البيان، دعا إلى التظاهر السلمى، وحذَّر من الخروج على القانون، وأكد أن الدولة ستواجه أى تهديد للأمن، وهذه الرسالة كانت ضرورية، لأن الانتقال من حكم جماعة إلى مرحلة جديدة كان يحمل خطرًا حقيقيًا: أن تحاول القوى الرافضة جر البلاد إلى الفوضى، أو تحويل الخلاف السياسى إلى صراع مفتوح مع الدولة.
ما حدث بعد ذلك أثبت أن هذا التحذير لم يكن نظريًا، الجماعة التى كان يمكنها العودة إلى المجال السياسى من بوابة الوطن، اختارت أن تختبر الدولة من خارجها، استخدمت الشائعة، والتحريض، والتربص، والاستقواء بالخارج، وكلما فشلت فى العودة من الباب حاولت أن تطل برأسها من نافذة أزمة أو ذيل شائعة أو خطاب كراهية، لكنها لم تعد قادرة على استعادة ما فقدته؛ لأن المجتمع نفسه هو الذى سحب منها الثقة قبل أن تسحب منها السلطة.

وهنا تكمن الدلالة الأعمق ليوم 3 يوليو، هذا اليوم لم ينهِ حكمًا فقط، بل أنهى قابلية مصر لأن تُحكم مرة أخرى بمنطق الجماعة، وضع حدًا لفكرة أن التنظيم يمكن أن يكون أقوى من الدولة، وأن الشرعية الانتخابية تمنح صاحبها حق احتكار الوطن، وأن الصندوق يمكن أن يتحول إلى صك ملكية دائم.

يحتفل المصريون بـ30 يونيو لأنها كانت يوم الإرادة، لكن 3 يوليو كان يوم تحويل الإرادة إلى دولة، كان اليوم الذى خرج فيه الوطن من الميدان إلى المؤسسات، وانتقلت فيه الثورة من الرفض إلى الخريطة، ومن الغضب إلى بناء المستقبل.

وفى رأيى، قوة البيان لم تكن فى عباراته وحدها، بل فى توقيته، فالتأخير كان يعنى انزلاقًا إلى صراع أهلى، وكان التردد يعنى انهيار ما بقى من الثقة، وكان ترك الأمور مفتوحة يعنى السماح للجماعة بإعادة إنتاج نفسها بالقوة أو المماطلة، لذلك كان الحسم ضرورة، لا ترفًا.

3 يوليو كان يوم الفصل بين مصر الدولة ومصر الجماعة، يوم قرر فيه المصريون أن الوطن أوسع من التنظيم، وأن المؤسسات أبقى من الأشخاص، وأن الهوية الوطنية لا تُختطف، وأن من يريد أن يكون جزءًا من مصر فعليه أن يقبل بقواعدها، لا أن يحاول إعادة تشكيلها.

ولهذا فإن قيمة البيان ليس لأنه أعلن نهاية مرسى فقط، بل لأنه أعلن نهاية مشروع حاول أن يضع الجماعة فوق الدولة، ومنذ ذلك اليوم، كل محاولة جديدة للجماعة للظهور عبر الشائعة أو التحريض أو التربص ليست سوى محاولة من مشروع دُفن سياسيًا ليثبت أنه ما زال حيًا، لكن الحقيقة أن المصريين حسموا الأمر منذ 3 يوليو: من يعمل تحت مظلة الوطن فله مكان، ومن يعمل فى الظلام ضد الوطن فقد اختار موقعه بنفسه.

كان البيان قصيرًا فى الزمن، لكنه عميقٌ فى أثره، سبع دقائق وتسع وثلاثون ثانية تقريبًا كانت كافية لتغلق بابًا كاد يقود مصر إلى المجهول، وتفتح طريقًا جديدًا لاستعادة الدولة، 30 يونيو كان يوم الشعب، و3 يوليو كان يوم القرار، وبين اليومين دُفن مشروع الجماعة، وبدأت مصر تستعيد نفسها.