هناك لحظات فارقة فى تاريخ الأوطان لا تصنعها الحشود وحدها، وإنما تمهد لها مؤسسات وطنية، تدرك أن الدفاع عن الدولة يبدأ بالدفاع عن الدستور، ومن هنا، انطلقت الشرارة الأولى من رجال القضاء والنيابة العامة باعتبارهم حصنًا منيعًا للبلاد؛ إذ حولوا أروقة المحاكم إلى خط الدفاع الأول عن مصر والمصريين.
فقبل أن تخرج الملايين إلى الميادين فى الثلاثين من يونيو، سطر القضاء المصرى واحدة من أكثر صفحات الوطنية إشراقًا، عندما وقف شامخًا فى مواجهة كل ما رآه مساسًا باستقلاله، مؤمنًا بأن سقوط العدالة هو بداية لسقوط الدولة، وأن استقلال القضاء ليس امتيازًا خاصًا بالقضاة، بل هو حق أصيل لكل مواطن وضمانة أساسية لبقاء الوطن.
لقد مثل الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 محطة استثنائية فى التاريخ الدستورى المصري، وكان بمثابة القشة التى قصمت ظهر نظام الإخوان قبل اندلاع الثورة؛ وذلك لتضمنه تحصينًا لبعض القرارات الرئاسية من رقابة القضاء، وإنهاء ولاية النائب العام المستشار عبد المجيد محمود وتعيين نائب عام جديد.
وقد رأى قطاع واسع من رجال القضاء فى هذه الإجراءات اعتداءً غير مسبوق على مبدأ الفصل بين السلطات، وتدخلاً مباشرًا فى شئون السلطة القضائية، مما يمس أرفع الضمانات الدستورية التى تقوم عليها الدولة الحديثة.
وفى تلك اللحظة الدقيقة، لم يقف قضاة مصر مكتوفى الأيدي، وأدركوا أن التفريط فى استقلال القضاء يعنى فتح الباب أمام إخضاع العدالة لإرادة السلطة التنفيذية، وهو ما يهدم جوهر دولة القانون.
وكان موقف نادى القضاة حاسمًا وواضحًا، إذ رفض كل ما يمس استقلال السلطة القضائية، معلنًا للجماعة أن القاضى لا يستمد سلطانه إلا من الدستور والقانون وضميره، كما اصطف أعضاء النيابة العامة إلى جانب هذا الموقف التاريخي، فى مشهد جسد وحدة الأسرة القضائية.
لقد كان نادى القضاة، فى تلك المرحلة، صوت الضمير القانونى للدولة المصرية؛ ووقف ثابتًا عند الحدود التى رسمها الدستور، مدافعًا عن مبدأ الفصل بين السلطات.
ولعل ما ميز موقف القضاء المصرى آنذاك أنه لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل امتدادًا لتاريخ طويل ظل فيه القضاء المصرى عنوانًا للاستقلال، ومدرسة وطنية حافظت على هيبة القانون فى أحلك الظروف، ولذلك، التف الرأى العام حول هذا الموقف، ورأى فيه المصريون دفاعًا عن الدولة نفسها.
ومع تصاعد الأحداث، بات واضحًا أن الحفاظ على مؤسسات الدولة لا يقل أهمية عن الحفاظ على الإرادة الشعبية، وأن الدولة التى يفقد فيها القضاء استقلاله تفقد مقومات بقائها، لذلك سيظل موقف نادى القضاة محفورًا من نور كواحد من المواقف الوطنية التى أسهمت فى ترسيخ الوعى العام بخطورة المساس بمؤسسات العدالة، ومهدت الطريق لمرحلة جديدة أعادت التأكيد على أن الدستور يعلو على الجميع، وأن سيادة القانون فوق الجماعة.

حازم نصر يكتب: الشهيد محمد الشربيني ورجاله
ليطمئن قلبى
الشباب شباب القلب






