أما بعد

حين تتساوى الرتب أمام النار!

أحمد باشا
أحمد باشا


لا أحد يسأل عن الرتبة حين تشتعل النيران.

فأمام اللهب، تتوارى النجوم من على الأكتاف، وتختفى الفوارق بين القائد والضابط والفرد والمجند. الجميع يرتدى الزى نفسه، ويحمل الرسالة نفسها، ويواجه المصير نفسه.

رحل ثلاثة من رجال الحماية المدنية شهداء وهم يؤدون واجبهم، لكن الذى رحل لم يكن ثلاثة أفراد فقط، بل ثلاثة نماذج لمعنى نادر اسمه التضحية. كانوا ينتمون إلى رتب مختلفة، غير أن النار لا تعترف بالرتب، وإنما تعرف فقط من يتقدم إليها لإنقاذ الآخرين.

فى كل حريق يهرب الناس غريزيًا بحثًا عن النجاة، بينما تتحرك سيارات الحماية المدنية فى الاتجاه المعاكس. يدخل رجالها إلى قلب الخطر، ويقتحمون المبانى المشتعلة، ويتعاملون مع الانفجارات المحتملة، ويخوضون سباقًا مع الزمن لإنقاذ إنسان قد لا يعرفون اسمه، أو طفل لم يسبق أن رأوه، أو أسرة لا تربطهم بها صلة سوى الواجب.

وربما يظن البعض أن مهمة الحماية المدنية تقتصر على إطفاء الحرائق، بينما الواقع أكثر اتساعًا وإنسانية. فهؤلاء الرجال يتعاملون مع انهيارات العقارات، وتسربات المواد الخطرة، واحتجاز المواطنين داخل المصاعد أو السيارات، وإنقاذ الغرقى، بل وحتى إنقاذ الحيوانات العالقة فوق الأشجار أو داخل الآبار. إنهم ذراع إنسانية للدولة تصل إلى كل استغاثة، مهما بدت صغيرة فى أعين الآخرين.

لهذا أصبحت الحماية المدنية واحدة من أكثر إدارات وزارة الداخلية ارتباطا بحياة المواطن. فهى ليست إدارة أمنية بالمعنى التقليدى، بل إدارة لحماية الحياة نفسها. رجالها لا يحملون السلاح فى مواجهة مجرم، وإنما يحملون معدات الإنقاذ فى مواجهة النار والدخان والانهيارات، وهم يدركون أن ثمن أى لحظة تردد قد يكون روحًا بريئة.

لقد تغير مفهوم الشرطة فى الدولة الحديثة. لم تعد مهمتها تقتصر على حفظ الأمن وتطبيق القانون، بل أصبحت شريكًا فى حماية الإنسان وصون حياته وممتلكاته. وتبقى الحماية المدنية النموذج الأوضح لهذا المفهوم؛ لأنها لا تسأل عن هوية طالب النجدة، وإنما تستجيب لندائه وفقط.

وفى سجل هذه الإدارة، لم تكن الشهادة يومًا حكرًا على رتبة بعينها. فمن مساعد وزير الداخلية الذى تقدم الصفوف، إلى النقيب الشاب، وأمين الشرطة، والمجند الذى بدأ حياته العملية، الجميع وقفوا فى المكان نفسه، والجميع كانوا على خط النار، لأن البطولة لا تصنعها الرتب، وإنما تصنعها المواقف.

رحم الله شهداء الواجب، وحفظ رجال الحماية المدنية الذين يخرجون كل يوم إلى مهامهم، لا بحثًا عن بطولة، بل إيمانًا بأن إنقاذ حياة إنسان واحد يستحق أن تُبذل من أجله الحياة. وتلك هى الصورة الحقيقية لشرطة عصرية، لا تكتفى بحماية الأمن، بل تقدم أبناءها شهداء كى يبقى المواطن آمنًا، وتؤكد كل يوم أن أعظم الواجبات هو أن تهب حياتك كى يعيش الآخرون.