نبض الصحة

د. حسام عبدالغفار يكتب: كرامة الإنسان تبدأ من عتبة بيته

د. حسام عبدالغفار
د. حسام عبدالغفار


فى قرى مصر الأكثر فقرًا، كانت الرحلة إلى المستشفى فصلًا من فصول المعاناة. مريض يُحمل على الأكتاف عبر دروب ترابية. أسرة تبيع ما تملك من قوت يومها لتصل به إلى القاهرة. طفل يفقد فرصته فى العلاج لأن المسافة أطول من صبر أهله. لعقود طويلة، كانت الصحة فى هذه القرى تُقاس بالمسافة، لا بالحق. وكان الوصول إلى الطبيب امتيازًا لمَن يملك ثمن السفر، لا حقًا لكل مواطن.

جاءت «حياة كريمة» لتُعيد كتابة هذا الفصل من جذوره. لم تكتفِ ببناء وحدة صحية هنا، أو تجديد مستشفى هناك، بل فعلت ما هو أعمق: ربطت، للمرة الأولى بهذا الاتساع، بين كرامة العيش ورفاهية الجسد. فالصحة ليست جزيرة منعزلة عن الإسكان والمياه النقية والصرف الصحى والتعليم وفرص العمل. هى ثمرة لمنظومة متكاملة، إذا صلح جزء منها واعتلّ آخر، بقى الإنسان منقوصًا، وبقى الوطن يعرج بساق واحدة.

الإنجاز حقيقى، والأرقام تشهد له فى كل محافظة لامست يد المبادرة أرضها. لكن الإنجاز الحق لا يُقاس بما تحقق فحسب، بل بمدى اتساعه وعمق أثره. خدمة صحية وصلت لقرية، يجب أن تصل لقرية مثلها لم يصلها أحد بعد. والنجوع النائية، تلك التى لا تظهر أسماؤها على الخرائط الكبرى ولا فى نشرات الأخبار، هى المحك الحقيقى لصدق الإرادة السياسية والإدارية معًا.

فحين يبقى نجع واحد بلا وحدة صحية، وأسرة واحدة تضطر للهجرة الطبية إلى القاهرة، تبقى المهمة ناقصة، مهما بلغت إنجازات المدن الكبرى. فالعدالة الصحية لا تتجزأ، ولا تكتمل بالمتوسطات والنسب المئوية المُرضية على الورق. تكتمل فقط حين يصل آخر مريض فى أبعد نجع إلى نفس جودة الخدمة، التى يحصل عليها ابن العاصمة، بلا فارق ولا استثناء.

وهنا يكمن التحدى القادم: أن نُعمّم لا أن نتباهى، وأن نُكمل لا أن نتوقف عند منتصف الطريق. أن نبنى حيث لا كاميرات ترصد، ونصل حيث لا طرق ممهدة تسهّل، وأن نُصغى لأصوات القرى التى لم تُسمع بعد. فالصحة، حين تكون حقًا للجميع بلا تمييز، تتوقف عن أن تكون امتيازًا للبعض، وتصبح عندئذ مقياسًا حقيقيًا لتقدم الأمم، لا لثرائها فحسب.

فالحياة الكريمة ليست شعارًا يُرفع فى المناسبات، بل التزامًا يُمارَس كل يوم، فى كل قرية، حتى آخر بيت فى آخر نجع.