نحن والعالم

شيطان التفاصيل

ريهاب عبدالوهاب
ريهاب عبدالوهاب


التطورات الميدانية منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران والاتفاق الإطارى بين إسرائيل ولبنان والتى يُروج لها كمخرج لإنهاء التصعيد، تشى بإنهاء تفاهمات فضفاضة صيغت على عجل لامتصاص الضغوط السياسية وشراء الوقت أكثر من كونها تسويات حقيقية.

صحيح أن هذه الاتفاقات هدأت الأسواق العالمية وخفضت منسوب القلق الدولى، وأراحت الرأى العام المشحون قبيل استحقاقات انتخابية حاسمة فى أمريكا وإسرائيل، لكنها لم تنجح فى إنتاج واقع جديد، ومع بدء جولات التفاوض التقنى والتنفيذ بدأت الخلافات حول تفسير بنودها وآليات تنفيذها تهدد بانهيارها.

ففى الملف الإيرانى، يدور خلاف حول إدارة مضيق هرمز، حيث تصر واشنطن على أن التفاهم يضمن ملاحة مجانية ودائمة بالمضيق، بينما تتمسك طهران بحقها فى إدارة الممر وفرض رسوم بعد انقضاء الـ60 يومًا، كما يبرز خلاف حول الجداول الزمنية والملفات العالقة، حيث تشترط إيران الإفراج الكامل عن أصولها المجمدة وتخفيف العقوبات قبل مناقشة ملفها النووى بينما تربط أمريكا أى خطوات بإجراءات إيرانية مسبقة، وفى الاتفاق اللبنانى-الإسرائيلى، يرى لبنان أن الاتفاق يفرض انسحاباً إسرائيلياً فورياً وشاملاً يتزامن مع نشر الجيش اللبنانى، ويرفض أى نشاط عسكرى إسرائيلى عابر للحدود كونه انتهاكاً للسيادة، فيما تقول إسرائيل إن انسحابها لن يكون كاملاً كما أنه مشروط بتحقيق نتائج بملف تفكيك بنية حزب الله ونزع سلاحه، وتتمسك بتفسير واسع لبند «الدفاع عن النفس» يمنحها حرية العمل العسكرى. 

هذه التباينات تكشف افتقار الاتفاقين للتفاصيل التنفيذية الواضحة والجداول الزمنية الملزمة وآليات الرقابة، وهى العناصر التى تحدد ما إذا كان أى اتفاق قابلاً للحياة أم مجرد إعلان سياسى الهدف منه إدارة الأزمة وليس حلها.. وإذا كان «الشيطان يكمن دائماً فى التفاصيل» كما يقولون، فيبدو أن شياطين هذه الاتفاقات، بصيغتها الحمّالة للأوجه، على وشك تحويلها من مشاريع سلام إلى هدن تكتيكية لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع قبل جولة تصعيد جديدة أكثر ضراوة.