حلمى النمنم
تواصل «الأخبار» نشر فصول كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. ومسيرة وطن»، الذى اطلقتة الهيئة الوطنية للصحافة، برئاسة المهندس عبدالصادق الشوربجى.. يأتى الكتاب بوصفه عملا توثيقيا يتناول مرحلة بارزة من تاريخ مصر المعاصر، متزامنا مع ذكرى ثورة الثلاثين من يونيو، التى ينظر إليها باعتبارها محطة مفصلية فى مسار الدولة المصرية الحديثة.. ويسعى الكتاب إلى رصد ملامح هذه المرحلة من خلال استعراض مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسى، إلى جانب توثيق أبرز التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية التى شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويستند الكتاب إلى مجموعة من الشهادات والرؤى التى يقدمها عدد من المفكرين والكتاب والصحفيين والشخصيات العامة، بهدف إلقاء الضوء على مختلف أبعاد التجربة المصرية، سواء فيما يتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، أو إطلاق مشروعات التنمية، أو تعزيز مفاهيم الاستقرار وبناء الجمهورية الجديدة. ومن خلال هذا التنوع فى الرؤى، يقدم الكتاب قراءة توثيقية لمرحلة اتسمت بتغيرات واسعة على المستويين الداخلى والخارجى.
وتعكس المساهمات المنشورة فى هذفى زمنٍ تتزاحم فيه القوى الدولية على إعادة تعريف نفوذها خارج الحدود، وتتحول فيه الممارسات الثقافية والإعلامية والدينية والإنسانية إلى أسلحة حقيقية تعادل - بل أحيانًا تتجاوز - قوة الجيوش والاقتصادات، تبرز التجربة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى بوصفها أحد أهم النماذج التى أعادت صياغة مفهوم القوة الناعمة فى العالم العربى والإفريقى. لم تعد القوة اليوم امتلاكًا لأدوات البطش أو الردع فقط، بل أصبحت قدرة الدولة على تشكيل الوعى داخلها، وإقناع العالم خارجها، وامتلاك خطاب حضارى قادر على النفاذ إلى المقارنات الذهنية العميقة للشعوب.
وفى هذا السياق المتحوّل، أعادت القيادة المصرية - بوعى استراتيجى نادر - دمج القوة الناعمة داخل بنية الأمن القومى، وجعلتها امتدادًا عضويًا للقوة الصلبة، لا خصمًا لها ولا بديلاً عنها. فالدولة التى أعادت بناء مؤسساتها واقتصادها وأمنها خلال عقد من الزمن، انتقلت بوعى محسوب إلى مرحلة أكثر رقيًا: مرحلة صناعة النفوذ الحضارى، وهى المرحلة التى تتطلب عقلًا منتجًا للرموز، ودينًا مستنيرًا، وفنًا مؤثرًا، وإعلامًا حديثًا، وإنسانية قادرة على إلهام العالم.
لذا، طُرِحت تساؤلات عديدة بين المثقفين والمهتمين بالشأن العام، حول «القوة الناعمة» فى الجمهورية الجديدة، موقعها ومدى الاهتمام الرسمى بها، مكان ومكانة المثقفين بها. التساؤلات مشروعة وتكشف عن مكمن إيجابى، لكنها تكشف أمورًا أخرى، أهمها على الإطلاق أن مصطلح «القوة الناعمة» الذى أطلقه «جوزيف ناى» بعد انهيار الاتحاد السوفييتى، قد استبدل به لاحقًا مصطلحا آخر هو «القوة الذكية»؛ أى التى تجمع بين ما يسمى القوة الناعمة وما يسمى القوة الخشنة أو الصلبة، الدولة تحتاج القوتين معا، ولم يكن ذلك التعديل غريباً من «ناى»، ذلك أنه كان مستشارا لوزير الدفاع الامريكى فى وقت ما، ومن ثم فهو على دراية جيدة بالقوة الصلبة بحكم عمله وبالقوة الناعمة بحكم تأملاته ومتابعاته.
المشكلة بين بعض المثقفين فى بلادنا وفى مناطق مختلفة من العالم، هناك تصور أن وجود القوة الناعمة لا بد أن يعنى تراجع القوة الصلبة أو اختفاءها، بمعنى أن القوة الناعمة وحدها كافية، باختصار هناك تناقض بين القوتين، ومن ثم يصبح الاهتمام بإحداها نفيا للأخرى، إذا اهتمت الدولة بالقوة الصلبة، اعتبر ذلك تهميشا للقوة الناعمة، وعدم الاحتفاء بها، وإذا اهتمت بالناعمة يصبح ذلك معناه تراجع الاهتمام بالأخرى. من هنا، نجد أن المفهوم الذى صكه جوزيف ناى «القوة الذكية» كان محاولة منه لتلافى ذلك التناقض المصطنع، الذى يتخيله البعض هنا وهناك.
وفى الدولة المصرية الحديثة، كان الارتباط حتميا وتكوينيا بين القوتين الصلبة والناعمة، تكونت كل منهما فى أحضان الأخرى، بدأ محمد على بناء الجيش المصرى، واكتشف أن الجيش يحتاج صناعات معينة وكوادر متعلمة ودارسة، وهكذا كانت البعثات إلى الخارج، وتأسست المدارس الحديثة، ويمكن أن نتوقف أمام نموذج رفاعة رافع الطهطاوى، هو الشيخ المستنير صاحب كتاب «تلخيص الإبريز» وصاحب كتاب «مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية»، أول وأهم كتاب فى الوطنية المصرية الحديثة، لكن رفاعة نفسه كان وكيلاً للمدرسة الحربية، التى تناظر الأكاديمية العسكرية الآن، وكان قبل ذلك يحمل رتبة عسكرية فى سلاح الطوبجية؛ أى المدفعية، هو كذلك مؤسس مجلة «روضة المدارس» ومشرف تحريرها؛ أى رئيس التحرير، وتعد أول مجلة أدبية وثقافية فى الصحافة المصرية، باختصار هو ابن ورمز، بل أب ورائد من رواد القوة الناعمة وكذلك القوة الصلبة.
غير الطهطاوى لدينا نموذج محمود سامى البارودى وحافظ إبراهيم. البارودى يحمل لقب «رب السيف والقلم»، ولا يتوقف بعضنا عند تلك التسمية، رب السيف لأنه درس وتخرج فى المدرسة العسكرية، ثم كان أول مصرى يحصل على رتبة فريق فى الجيش، بعدها ترك الخدمة العسكرية ليتولى مسئولية بعض المديريات؛ أى محافظ، ثم صار وزيرا للأوقاف، ثم وزيرا أو ناظرا للجهادية ثم ناظر النظار زمن الثورة العرابية، وبعد الثورة حوكم ونفى من مصر، وكان صلبا فى منفاه، مقابل بعض المنفيين الذين انهاروا سريعا وراحوا يستعطفون السلطات البريطانية إعادتهم. هذا الرجل بكل هذه الخلفية الصلبة، هو الشاعر الأكبر الذى يطلق عليه «شاعر الإحياء والبعث» لأنه نفض عن القصيدة العربية غبار وركام العصر المملوكى ثم العثمانى، وقد أعاد للقصيدة رونقها وجمالها الذى كانت عليه فى العصر العباسى، د. طه حسين عميد الأدب العربى قال عنه: إنه أول شاعر كبير له قيمة شعرية تقدمه مصر للشعر العربى، لأسباب كثيرة تتعلق بالتحول من اللغة الديموطيقية إلى اللغة العربية، لم يظهر فى مصر شاعر مثل المتنبى أو البحترى وأبى العلاء المعرى، لكن البارودى عوض هذا النقل التاريخى. تُرى أين نضع البارودى فى خانة القوة الناعمة؟ أم القوة الصلبة؟، هو فيهما معا بكل تأكيد، هو نموذج للقوة الذكية.
حافظ إبراهيم «شاعر النيل»، كان ضابطًا فى الجيش المصرى الباسل بالسودان، وفى زمن الخديو عباس حلمى الثانى تم إخراج هذا الجيش من السودان وإعادة أفراده إلى مصر، وإبعادهم من الخدمة. وهكذا وجد حافظ إبراهيم نفسه عاطلاً بلا عمل منذ سنة 1899، ولم تكن القضية أو المأساة بالنسبة له عدم وجود عمل، تلك مسألة سهلة يمكن حلها وقد حُلّت، حيث تم تعيينه فى دار الكتب المصرية براتب كبير، لكن بقيت المأساة بالنسبة له مصدرها الفقر، حافظ لم يكن فقيرا، لكن كان فقر المأساة الوطنية داخله، وهى أن يُطرد الجيش المصرى من السودان بفعل الاحتلال البريطانى.
ومن يراجع كتابه المهم، «ليالى سطيح» يجد أنه يرصد رحلة أو جريمة الإخلاء من السودان والعودة، فيها الأسى الوطنى واضح وليس الأسى المالى كما يظن معظمنا.باختصار حافظ إبراهيم شاعر النيل هو أبرز أسماء القوة الناعمة فى مصر وفى العالم العربى، هو نفسه ابن القوة الصلبة، درس علومها وعلا بها، وظل قلبه معلقًا بها.
النماذج السابقة ليست استثنائية، بل وجود حالات كثيرة مشابهة، إذا ذكرنا أسماء مثل د.ثروت عكاشة، د.أحمد خليفة مؤسس المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، يوسف السباعى، الفنان أحمد مظهر، د.حسين فوزى النجار وغيرهم وغيرهم، هؤلاء جميعا من رموز القوة الناعمة المصرية وهم كذلك أبناء القوة الصلبة، تخرجوا جميعا فى الكلية الحربية وعملوا بالجيش المصرى ثم اتجهوا إلى الحياة المدنية بعد ثورة 23 يوليو 1952.
القوة الصلبة والقوة الناعمة وجهان لعملة واحدة، يتكاملان، ولا تنفى أى منهما الأخرى، كما يتصور أو يتمنى البعض، ومن هنا كان تعامل الجمهورية الجديدة والرئيس عبدالفتاح السيسى مع القوتين الصلبة والناعمة. اهتمام بمواصلة تسليح وتدريب الجيش، الدخول فى مشروعات قومية كبرى يمكن أن تكون ضمن القوتين معا، ازدواج خط الملاحة فى قناة السويس نموذجا سنة 2014، شبكة الطرق والجسور فى أنحاء مصر وهكذا.. لكن فيما يخص القوة الناعمة بشكل مباشر، هناك الكثير الذى تم وما زال يتم إلى يومنا هذا.
إن هذا القسم يعيد قراءة المحاور السبعة التى شكّلت رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسى للقوة الناعمة، قراءةً تحليلية ممتدة، تجمع بين عمق الفكرة واتساع السياق، وتدرس كيف تحوّلت هذه المحاور من تصريحات سياسية إلى منظومة دولة فاعلة. وفيما يلى، نمضى فى تفاصيل تُظهر كيف خرجت القوة الناعمة من دائرة الخطاب إلى دائرة الفعل، ومن التمنّى إلى التخطيط، ومن التقليدية إلى الحداثة، لتصنع «مصر فى الجمهورية الجديدة» باعتبارها قوة مؤثرة، لا قوة تابعة، وفاعلاً حضاريًا يعيد صياغة معالم المنطقة.
من بناء القوة الصلبة إلى إطلاق القوة الناعمة
شكّل الانتقال من مرحلة ترميم القوة الصلبة للدولة إلى مرحلة إطلاق القوة الناعمة أحد أهم التحولات الجوهرية فى مشروع الرئيس عبدالفتاح السيسى لإعادة بناء الدولة المصرية. فمنذ اللحظة الأولى لتوليه المسئولية، كان واضحًا أن مصر تعيش سياقًا استثنائيًا يتطلب إنقاذ الأساس، قبل التفكير فى أى أدوار خارجية. فقد كانت الدولة تواجه فى 2013-2014 - بعد محاولات تنظيم الإخوان التمكين من مفاصل الدولة طوال الفترة من 2011-2013، أخطر لحظة فى تاريخها الحديث؛ انهيار اقتصادى شبه كامل، مؤسسات إنفاذ القانون منهكة، هزة اجتماعية عميقة، تمدد التنظيمات المتطرفة، وانكشاف الصورة الذهنية للدولة فى الخارج. فى هذا السياق المركّب، لم يكن ممكنًا الحديث عن قوة ناعمة فى ظل غياب الدولة نفسها ككيان قادر على ممارسة دوره الطبيعى. ومن ثم انطلقت المرحلة الأولى من مشروع الرئيس فى اتجاه تأمين «القوة الصلبة»، باعتبارها «شرط البقاء» قبل أن تكون شرط التأثير.
لقد مثّلت مشاريع البنية التحتية الضخمة - وعلى رأسها الشبكة القومية للطرق، وتحديث الموانئ، وتطوير الطاقة، وبناء مدن الجيل الرابع- ركيزة رئيسة فى ترسيخ الدولة القادرة. كما جاءت إعادة بناء القوات المسلحة، عبر تحديث السلاح وتنويع مصادره وتعزيز القدرات القتالية، كخط دفاع أول يحول دون سقوط الدولة فى فوضى الإقليم، كذلك تحديث الشرطة المدنية بما يتواكب مع تحديات العصر. هذه المرحلة لم تكن رفاهية، بل كانت لحظة إنقاذ، ومع اكتمال الأساس الصلب، بدأت مرحلة جديدة تعلن انتقال الدولة من وضعية «الدفاع عن وجودها» إلى وضعية «صناعة وجودها الإقليمى والدولى».
وقد استمر بناء المشروع - جنبًا إلى جنب - مع بناء القوة الصلبة للدولة، إلى أن جاءت اللحظة المفصلية فى خطاب الرئيس بالأكاديمية العسكرية فى أكتوبر 2024، حين أعلن للمرة الأولى أن الدولة جاهزة للانتقال إلى القوة الناعمة، قائلاً: «إحنا بنينا قوة صلبة مرعبة.. دلوقتى لازم نركز على القوة الناعمة».
لم يكن هذا الإعلان خطابًا عابرًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا يعترف بأن الجيوش تحمى الدول ولكن لا تصنع صورتها، وأن الاقتصاد يبنى القواعد ولكن لا يصنع النفوذ، وأن القوة الصلبة - مهما بلغت - تحتاج إلى ما يكملها، والمتمثل فى امتلاك الفاعلية لقوة ناعمة قادرة على بناء إدراك العالم لمصر، وصياغة وعى المصريين بذاتهم.
فى هذا السياق، طرح الرئيس فى أكاديمية الشرطة فى نوفمبر 2025 مفهوم «إنتاج الرموز» بوصفه أحد أهم روافد القوة الناعمة. وذلك عندما تساءل: «أين أم كلثوم الجديدة؟ أين نجيب محفوظ الجديد؟ أين العالِم النووى الجديد؟» لم يكن السؤال فنيًا، بل جوهريًا فى مشروع بناء دولة حديثة تستعيد مكانتها من خلال رموز علمية وفنية وثقافية ورياضية قادرة على تمثيل مصر فى الفضاء العالمى. وهكذا يمكن القول: إن مفهوم القوة الناعمة يتحوّل من نشاط ثقافى إلى استراتيجية دولة، ومن قطاع تقليدى إلى جزء من بنية الأمن القومى الشامل.
إن الانتقال الاستراتيجى الذى قاده الرئيس لا يمكن فهمه إلا فى ضوء إدراكه بأن مصر - بحضارتها الممتدة، وعمقها الثقافى، ودورها الجيوسياسى - قادرة على ممارسة تأثير يتجاوز حدود القوة العسكرية، وأن القوة الناعمة ليست بديلاً عن القوة الصلبة، بل هى الامتداد الطبيعى لها. فالدولة التى بنت أسس قوتها الصلبة أصبحت قادرة على إطلاق مشروع حضارى يستثمر تلك القوة ويحوّلها إلى نفوذ، وبهذا اكتملت حلقة بناء الدولة، من إنقاذ الأساس إلى إطلاق التأثير. من هنا، تكتسب فكرة إنشاء مدينة إعلام حديثة الجدوى الحقيقية للمساعدة فى بناء هذا المشروع فى صناعة النفوذ الحضارى.
الخطاب الدينى كقوة ناعمة استراتيجية فى مشروع الدولة
يُعد الخطاب الدينى أحد أهم ركائز القوة الناعمة فى التجربة المصرية الحديثة، ليس فقط لكون مصر مركزًا تاريخيًا لعلوم الدين والاعتدال، بل لأن الصراع الذى واجهته الدولة فى العقد الأخير كان - فى جوهره - صراعًا على المعنى، وعلى إنتاج التأويلات الدينية، وعلى إعادة تعريف علاقة المواطن بدينه ووطنه ومجتمعه. وقد أدرك الرئيس عبدالفتاح السيسى، منذ اللحظة الأولى، أن مواجهة التطرف المسلح دون مواجهة خطاب التطرف هو مشروع ناقص، وأن الحرب على الإرهاب لا يمكن حسمها عسكريًا فقط، بل فكريًا وروحيًا وثقافيًا.
لقد شكّل حديث الرئيس المتكرر فى احتفالات المولد النبوى، منذ 2014 وحتى 2025، عن أن «تجديد الخطاب الدينى أمن قومى» إشارة واضحة إلى أن الدولة تتعامل مع الفكر المتطرف كتهديد وجودى، وليس كظاهرة هامشية. هذا التوصيف غيّر الإطار المفاهيمى للمواجهة، فلم تعد المؤسسات الدينية أداة وعظية، بل صارت جزءًا من منظومة الأمن القومى. وبذلك جرى إعادة تعريف دور الأزهر والكنيسة بوصفهما قوتين ناعمتين تمثلان العمق الروحى للدولة المصرية.
فى ألمانيا عام 2017، أكد الرئيس أمام المستشارة ميركل أن «لو الأزهر والكنيسة ماكانوش موجودين، كان زمان أوروبا دفعت ثمنًا غاليًا». هذه الجملة لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية؛ لقد أعادت تقديم مصر للعالم بوصفها «منتِجًا للاعتدال» و«مرجعية عالمية فى مكافحة التطرف». فالخطاب الدينى المصرى، تاريخيًا، كان إحدى أقوى أدوات التأثير الإقليمى، حيث شكّل الأزهر عبر القرون الرافعة الروحية للملايين، كما شكّلت الكنيسة المصرية نموذجًا للمواطنة المسيحية المصرية المتصالحة مع الدولة والمجتمع.
القوة الناعمة كأداة للدبلوماسية الثقافية التنموية
شكّل توظيف القوة الناعمة فى السياسة الخارجية أحد أهم المسارات التى أعادت لمصر مكانتها الإقليمية وفاعليتها الدولية بعد عقدٍ من التراجع والاضطراب. فالدولة التى انشغلت فى العقد الأول من الألفية الجديدة بصراعات داخلية وصدمات سياسية متلاحقة، بدأت، مع تسلّم الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد السلطة، تستعيد تدريجيًا موقعها الطبيعى فى العالم العربى وإفريقيا والشرق الأوسط. إعادة التموضع هذه لم تُبنَ على القوة العسكرية وحدها رغم أهميتها، بل اعتمدت على رؤية أكثر عمقًا تستثمر فى «العقل والرمز» قبل السلاح، وفى «الثقافة والدبلوماسية» قبل التحالفات الأمنية.
أول أشكال الاهتمام بالقوة الناعمة، الخطوة التى أقدم عليها الرئيس بإقامة العام الثقافى المشترك مع عدد من الدول، بدءا بالعام الثقافى الصينى وكذلك العام الثقافى الروسى وهكذا على مدار الأعوام العشرة. أهمية هذه الخطوة أنها وضعت الشأن الثقافى بشكل مباشر فى قلب العلاقات المصرية مع كبرى دول العالم، جنبا إلى جنب مع ما هو سياسى واقتصادى إلى كل جوانب العلاقة، وكان ذلك انتقالا بالعلاقات الثقافية من كونها شأنًا خاصًا بالمثقفين المصريين مع زملائهم من الدول الأخرى أو أنها أقرب - أحيانا - إلى وجاهة للدولة، إلى أن تُصبح مكونًا أساسيًا فى العلاقة، فى بعض الحالات يمكن أن يكون العرس الثقافى هو القاطرة وبوابة جوانب العلاقات الأخرى.
وأهم إنجاز هو الاهتمام بالمتاحف، خاصة المتحف المصرى الكبير، حيث يمكن القول: إن الاهتمام بالمتاحف، تراجع مع نهاية القرن العشرين، لم تكن هناك متاحف جديدة تنشأ، ولا يتم ترميم القديم منها إلا فى حالات الضرورة القصوى، ولما تطلع وزير الثقافة فاروق حسنى إلى إنشاء المتحف الكبير، ليكون بديلًا لمتحف التحرير، تم وضع حجر الأساس ولم يتم الاهتمام بإنفاذ المشروع.
ومنذ سنة 2014 شرعت الدولة فى ترميم المتاحف التى مسها السوء وقت الفوضى فى أحداث يناير 2011 وما تلاها، وشرعت كذلك فى تأسيس متاحف جديدة، أعيد بناء وتطوير متحف الزعيم مصطفى كامل بمنطقة القلعة، وكذا متحف ملوى فى مدينة ملوى بمحافظة المنيا بصعيد مصر. على مستوى المتاحف الجديدة تم افتتاح متحف الزعيم جمال عبدالناصر، فى نهاية سنة 2015، وهو الذى كان مقررا إقامته عقب وفاة عبدالناصر، بقرار من مجلس الأمة فى أكتوبر سنة 1970، ولم يتم بدء تنفيذه إلا فى سنة 2014، وقام بافتتاحه الرئيس عبدالفتاح السيسى بحضور رئيس الوزراء ووزير الدفاع، فضلا عن أسرة الزعيم الراحل.
ذروة المتاحف هو المتحف المصرى الكبير، الذى تم افتتاحه أول نوفمبر سنة 2025 بحضور وفود 79 دولة، وعدد كبير من ملوك ورؤساء دول العالم، بالإضافة إلى عدد من رؤساء الوزراء، تابع الافتتاح أكثر من مليار مواطن حول العالم، هو المتحف الأكبر من نوعه فى العالم.
حيث ترتبط المتاحف الوطنية بوجود الدولة الوطنية، لذا لم يبدأ الاهتمام بالمتاحف فى مصر إلا مع محمد على وهو يؤسس الدولة الوطنية الحديثة، وارتفع الاهتمام بها زمن الخديو عباس حلمى الثانى، لأن مصر كانت تواجه الاحتلال البريطانى، وهكذا مع ارتفاع الحركة الوطنية بعد فشل الثورة العرابية، تم إنشاء المتحف المصرى سنة 1904، ثم المتحف الإسلامى والمتحف القبطى ثم المتحف اليونانى الرومانى بالإسكندرية.
لقد أدرك الرئيس أن مصر لا يمكن أن تعود إلى قيادة محيطها بالإكراه أو بالضغط، وأن النفوذ الحقيقى المستدام هو النفوذ الذى يتحقق عبر الاقتناع والقدرة على التأثير فى إدراك الآخرين، وهو ما يندرج فى جوهر القوة الناعمة.
بدأت مصر تستعيد مكانتها الإقليمية من خلال توظيف ثلاثة مسارات رئيسة للقوة الناعمة؛ المسار الأول هو الدبلوماسية الثقافية.
أما المسار الثانى فهو الدبلوماسية التنموية، وخاصة فى إفريقيا.
المسار الثالث هو الدبلوماسية الإنسانية، التى بلغ تأثيرها ذروته فى التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث استطاعت مصر -عبر الجمع بين موقف سياسى ثابت وقوى ورشيد، وتحرك إنسانى واسع- أن تفرض نفسها كوسيط لا غنى عنه. وقد عزز ذلك مكانة مصر لدى الرأى العام العربى والدولى، ليس فقط لأنها تدافع عن الحقوق، بل لأنها تدافع عن «القيم»، وتصر على الحل السياسى العادل، وتقدّم نموذجًا إنسانيًا عميقًا فى التعامل مع الضحايا والأطفال والناجين من الحرب.
التقدم التاريخى فى مؤشر القوة الناعمة العالمى 2025
يُعد التقدم غير المسبوق لمصر فى مؤشر Brand Finance Global Soft Power Index لعام 2025 شاهدًا دوليًا على انتقال الدولة من مرحلة «إعادة التأسيس» إلى مرحلة «تصدير التأثير». فهذا المؤشر، الذى يشمل 193 دولة وأكثر من 170 ألف مشارك حول العالم، لا يقيس الأداء السياسى أو الاقتصادى فقط، بل يقيس - بدرجة أكبر- كيف ينظر العالم إلى الدولة من حيث جاذبيتها، صورتها، ثقافتها، قوتها الدبلوماسية، وجودتها العلمية، وتأثيرها الإعلامى والإنسانى.
لقد احتلت مصر فى تقرير 2025 المركز 38 عالميًا بدرجة 45.4/100، مسجلةً واحدة من أكبر الزيادات فى تاريخ المؤشر ( 10.6 نقاط منذ 2020). ولا تكمن أهمية هذا التقدم فى الرقم فقط، بل فى طبيعة المجالات التى تقدمت فيها مصر، وهى المجالات ذاتها التى شكّلت جوهر مشروع القوة الناعمة فى عهد الرئيس السيسى.
أول تلك المجالات هو التراث والثقافة، حيث شهد العالم - خلال السنوات الأخيرة - عروضًا حضارية مبهرة قدمت صورة جديدة تمامًا لمصر: موكب المومياوات الملكية الذى بهر العالم بتحمّله ودقّته والمواكب لافتتاح المتحف القومى للحضارة، افتتاح طريق الكباش الذى أعاد وصل الحاضر بالماضى، ثم المتحف المصرى الكبير الذى يعد أكبر متحف حضارى فى العالم. هذه الأحداث لم تكن عروضًا سياحية، بل مشاهد قوة ناعمة مكتملة تتحدث بلغة الحضارة والتنظيم والانضباط والجمال.ا الفصل جوانب متعددة من هذه التجربة؛ إذ يتناول الكاتب الكبير محمد سلماوى عام 2014 باعتباره نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية، ويربطها برؤية مستقبلية للدولة المصرية.. فيما يناقش الكاتب الكبير حلمى النمنم مفهوم القوة الناعمة ودورها فى دعم الأمن القومى وتعزيز الحضور المصرى إقليميًا ودوليًا، بينما يسلط الفنان الكبير خالد جلال الضوء على دور الفن والدراما الوطنية فى ترسيخ الوعى والانتماء، مستشهدًا بنجاح فيلم الممر وتأثيره الجماهيرى.
الوطنية للصحافة تطلق كتاب «رجل الأقدار»
المواطن يتصدر «الموازنة»| رئيس الوزراء: دفع مسار الاستقرار الاقتصادى وتحفيز التصدير
احتفالية لإطلاق كتاب « رجل الاقدار»| الشوربجى: الرئيس حمل الأمانة صابرًا ومؤمنًا بحق شعبه فى الأمن والأمان





